264الآخرون من الرحالة: البنايات الحجرية العالية، الأسوار ووسائل الدفاع التي بدأت بالتهدّم، إلى الأراضي القفراء التي كانت تضمّ وتأوي السكان متعددي الأجناس، الذين أتوا من جميع أجزاء شبه الجزيرة العربية، ومن سوريا وتركيا ومن الهند، ومن جزر الهند الشرقية.
وإضافةً إلى ذلك، فقد استطاع بيركهارت أن ينفذ إلى تفهّم اقتصاد تلك المدينة، وأسباب انحطاطها، والتهديدات التي تستهدف مستقبلها، وإلى حدٍّ ماتوصّل إلى معرفة أسباب فنّ الدراسة الديموغرافية لتلك البلاد (أي دراسة المواليد والوَفيات والصحة والزواج) .
وهو يخبرنا عن الأهمية العظيمة، التي وصلت إليها تلك المدينة الصغيرة على الصعيد التجاري، في أوائل القرن التاسع عشر، بسبب موقعها على مفترق الطرق، التي يسلكها الحجاج والتجار من جميع أنحاء العالم. . لم ينسَ أن يطلق نبوءاته، حول قرب تراجع أهمية المركز التجاري لجدّة، كما تنبّأ بأنه عندما تنتهي السيادة العثمانية على الحجاز، والتي دعمها محمد علي بنشاطه، فإنّ العرب عندها سوف ينتقمون لأنفسهم ولخضوعهم للأتراك، مع أنّ ذلكَ الخضوع كان اسميّاً فقط، ولسوف ينتهي الحكم التركي، ولكن سوف يصاحب انتهاءه إراقة الدماء (28) .
وراح بيركهارت يصف مدينة جدّة بالتفصيل، بشكل لم يحاول أن يفعله أي رحالة من قبل، ماعدا نيبور، إذ ربّما لم يكن أي واحد من هؤلاء الرحالة يشعر براحة تجعله يلتفت إلى مثل هذه التفاصيل. أو ربّما لم يكونوا متمكنين من ناحية اللغة بشكل كافٍ. ومن بيركهارت علمنا أنّ جدّة تحتوي على عدد الحوانيت التي أحصاها بشكل دقيق، وذكر أصناف المبيعات، وكذلك البضائع المبيعة، ومناطق استيرادها (29) .
ومن جدّة سافر بيركهارت إلى