135ومقام كريم ومنزلة محمودة؟ !
لقد واكبت مسيرته المباركة وهو في غار حراء، بخدمتها الصادقة وكلماتها الطيبة، التي تدل علىٰ مدىٰ اخلاصها ونباهتها وصفائها: «وهيأت خديجة لزوجها ما يناسبه من حياة، فلما لجأ للتحنث في غار حراء، كانت تعدُّ له ما يحتاجه من طعام وشراب خلال الفترة، التي اعتكف فيها بالغار، فلما جاءه الوحي كانت أول من صدقه، وعانت معه صراع قريش ضده، وكانت البلسم الشافي لجراحه من هؤلاء المعتدين، ودخلت معه الشعب عندما قرر سادة قريش أن يقاطعوا المسلمين. . .» 1.
كانت تسمعه كلمات رقيقة هادئة كلما دخل بيتها عائداً من غار حراء، كلمات ملؤها الحنان والحب. تدعوه أن يطمئن، وتدعوه أحياناً أن يهدأ وينام، فكان يقول لها: مضىٰ عهد النوم يا خديجة. لقد كانت كلماتها تلاحقه وهو في بيته، وهو خارج منه، وهو في الغار، وهو يدعو عشيرته للإيمان، وهو في دار الارقم يدعو الناس سراً، وهو في كل مكان في مكة يقارع قريشاً وشركها جهراً، وهو يرىٰ أعداءه والمتربصين به، والمبغضين له، فكانت تخفّف عنه كلّ معاناته وكلّ ما يلقاه من أذىٰ وتكذيب وعنت من قومه.
وكان صلى الله عليه و آله يصرّح ويفضي لها بكلّ شيء يقول ابن هشام في سيرته:
وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من اللّٰه، ووازرته علىٰ أمره، . . . فخفف اللّٰه بذلك عن نبيه صلى الله عليه و آله، لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلّافرّج اللّٰه عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهوّن عليه أمر اللّٰه، رحمها اللّٰه تعالىٰ 2.
ومن كلماتها له صلى الله عليه و آله أيضاً: أبشر، فواللّٰه، لا يخزيك اللّٰه أبداً، واللّٰه، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيفَ، وتعين علىٰ نوائب الدهر.
في شعب أبي طالب:
ما انفكت قريش تصعد عداءها لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ودعوته الجديدة، ولم يتوقف عملها في تجذير ذلك العداء في نفوس أبنائها قولاً وعملاً. وكلما ازداد