133مهام أعظم رسالة سماوية إلى الناس كافة، فكانت للرسول صلى الله عليه و آله نعم الزوجة ونعم السكن ونعم النصير، وكان لها أحسن حظ طالما انتظرته وتمنته، ولم ينجو هذا الاقتران من حسدٍ وبغضٍ وغضب، فقد أحدث هزّة بين الرجال، الذين سبق لهم أن توافدوا علىٰ عتبة بابها، وهم يحملون معهم كلّ المغريات ليخطبوا يدها، إلّاأنهم عادوا من حيث أتوا خائبين بعد أن رفضتهم، ولم تعبأ بما حملوه معهم من مال، ولم يجد شرفهم وزعاماتهم أيّ أثر في نفسها. فلاذ بعضهم بالسكوت، والبغض والحسد يأكلان قلبه، في حين لم يتمالك بعض آخر أحاسيسه ولسانه فقال: ما هذا إلّا سحر، مسكينة خديجة، فقد سحرها اليتيم فشغفت به.
كما غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشرافُ قريش، وأمراؤهم، فلم تتزوجي أحداً منهم، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب، فقيراً لا مال له؟ !
فما كان من خديجة - بعدما سمعت بذلك كلّه - إلّاأن صنعت طعاماً ودعت نساء قريش وكان بينهن نساء المبغضين فلما اجتمعن وأكلن قالت لهن: معاشر النساء بلغني أن بعولتكن عابوا عليَّ فيما فعلته من أني تزوجت محمداً، وأنا أسألكم هل فيكم مثله، أو في بطن مكّة شكله من جماله وكماله وفضله وأخلاقه الرضيّة؟ ! وأنا قد أخذته لأجل ما قد رأيتُ منه، وسمعت منه أشياء ما أحد رآها، فلا يتكلم أحد فيما لا يعنيه، فكفّ كلّ منهن ومنهم عن الكلام 1.
وقد تابع الزوجان حياتهما المباركة هذه، وجهادهما الدؤوب، وقدر لخديجة أن تكون في قلب الأحداث الجسام المملؤة بالآلام والشدائد المضنية، ووهبت كلّ ما تملكه من ثروة وهو كثير ووضعته بين يدي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ليضمّه إلىٰ سيف علي عليه السلام.
أنجبت له صلى الله عليه و آله كلّ أولاده إلّاإبراهيم فهو من مارية القبطية. وهم القاسم وبه كان صلى الله عليه و آله يكنىٰ والطيب والطاهر - علىٰ قول - وقد ماتوا صغاراً رضعاً قبل بعثته المباركة، ورقية وزينب - علىٰ قول - وأمّ كلثوم وفاطمة الزهراء التي تزوّجها الإمام علي عليه السلام.