219وأدرك الروم أنهم إزاء فارس لا ضريب له، لا تثلم له ضربة، ولا يغل له سنان، ولا تنبو له ضريبة، فاعتوره الأعداء من كل صوب وجهة، وهو يرميهم ذات اليمين وذات الشمال، يستأصل شأفتهم، ويبيد خضراءهم، وهو ممسك بالراية بيده اليمنىٰ، فقطعوها له، فالتقطها بيده اليسرىٰ، ولا يزال صامداً متماسكاً، إلّاأن الروم ظلوا يتدافعون إليه، واحتوشوه حتىٰ قطعت يده اليسرىٰ ، فاحتضن الراية بعضديهَ شهامةً حتى الموت، واندفعت الأمور لنهاياتها الحتمية، فقتل جعفر رضي اللّٰه عنه وسقط شهيداً مضرجاً بدمائه مثخناً بجراحه، مزملاً في ثيابه، مدثراً ببطولة لا مثل لها.
يقول عبد اللّٰه بن عمر: كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين طعنة ورمية.
وقال الزركلي في أعلامه: وحضر موقعة مؤتة بالبلقاء من أرض الشام، فنزل عن فرسه وقاتل ثمّ حمل الراية وتقدم صفوف المسلمين، فطعنت يمناه فحمل الراية باليسرىٰ فطعنت أيضاً، فاحتضن الراية إلىٰ صدره، وصبر حتىٰ وقع شهيداً وفي جسمه نحو تسعين طعنة ورمية، فقيل: إن اللّٰه عوضه عن يديه جناحين في الجنة، وقال حسان:
فلا يبعدن اللّٰه قتلىٰ تتابعوا
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وقد روىٰ عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه و آله قال: دخلت الجنة فرأيت جعفر الطيار مع الملائكة وجناحاه مضرجان بالدم.
يقول بن عوف - وهو ممن حضر معركة مؤتة - عن شجاعة جعفر: لكأني أنظر إلىٰ جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثمّ تقدم فقاتل حتّىٰ قتل، قال بن اسحق: فهو أول من عقر في الإسلام وهو يرتجز:
يا حبذا الجنة واقترابُها
وفيما قاله رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن إيمان جعفر الثابت وشجاعته: . . ولما أخذ جعفر ابن أبي طالب الراية، جاءه الشيطان فمناه، وكره إليه الموت، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا، ثمّ مضىٰ قدماً حتىٰ استشهد.
فصلىٰ عليه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ودعا له، ثمّ قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «استغفروا لأخيكم جعفر فقد استشهد ودخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة» .
ولما ورد خبر استشهاد زيد وجعفر وعبداللّٰه بكىٰ أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وهم حوله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا. فقال: لا تبكوا، فإنما مثل أمتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكيها وهيّأ مساكبها، وحلق سعفها، فأطعمت عاماً فوجاً، ثمّ عاماً فوجاً، ثمّ عاماً فوجاً، فلعل آخرها طعماً أن يكون أجودها قنواناً، وأطولها شمراخاً. والذي بعثني بالحقّ ليجدن ابن مريم في أمتي خلفاً من حواريه 1.
ولما استشهد جعفر وأصحابه أتىٰ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بيت جعفر، تقول أسماء بنت عميس زوجة جعفر: لما اصيب جعفر وأصحابه أتاني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، ولقد هيأت أربعين مناً 2من أدم، وعجنت عجيني، وأخذت بنيّ فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخل عليّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فقال: يا أسماء، أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه، فضمهم إليه وشمهم، ثمّ ذرفت عيناه فبكىٰ، فقلت: أي رسول اللّٰه لعله بلغك عن جعفر شيء، فقال: نعم، قتل اليوم. فقالت: فقمت أصيح، واجتمع إليّ النساء، قالت: فجعل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: يا أسماء: لا تقولي هُجراً، ولا تضربي صدراً.
قالت: فخرج رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حتىٰ دخل على ابنته فاطمة، وهي تقول:
واعماه، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: علىٰ مثل جعفر فلتبك الباكية، ثمّ قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:
اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم. . . ثمّ صعد المنبر فحمد اللّٰه وأثنىٰ عليه، ثمّ قال: أيها الناس، إن جعفر بن أبي طالب مرّ مع جبريل وميكائيل