277يكن خوفاً من العرب، إنما يريدون أن يسيطروا علىٰ أراضيهم وثرواتهم برفق وبرضاً منهم أو من حكّامهم؛ ليتدخلوا في شؤونهم ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، وليكونوا أحراراً فيما يعملون في تلك البقاع، ويتَّخذوا من تلك الشعوب أداة لبسط سلطانهم عليهم وعلى العالم الإسلامي كلّه، ويتعاملوا معهم معاملة السيّد مع عبيده، والملك مع رعيته طوال الدهر. وبالتالي يكون الصلح المنشود هو الطريق الوحيد للوصول إلى مطامعهم، حتىٰ إنهم يُمهِّلون أمر الصلح عمداً، ويسوِّفونه قصداً، لإرضاء النفوس شيئاً فشيئاً، حتىٰ يقتنعوا بأنه لا طريق للاخلاص سوى الصلح والسلام.
مع أن مثل هذا الصلح هو الرصاصة الأخيرة لسقوط هذهِ الشعوب، ثم لسقوط العالم الإسلامي والمسلمين في أيدي اليهود. فأين الصلح العادل؟ ليس هذا سوى الاستسلام المطلق دون السلام العادل.
ثمّ إنّ اليهود، متى التزموا بعهودهم طوال دهرهم خاصة في فلسطين لكي نثق بهم؟ وأخيراً لو فرضنا حصول كلّ هذه الشروط والقيود، فإنّ الحُكّام لانثق بهم، وسوف يتَّخذون من هذه الفتيا ذريعةً لإلباس الأمر على الشعوب، وسيفاوضون العدوَّ في صالحهم أكثر من صالح الشعوب، وسيكون هذا الحكم من سماحتكم مبدأ شرعيَّة اليهود، وشرعيَّة عمل الحكّام الذين أجروا عقد الصلح ومفاوضة السلام معهم.
فإيّاكم أن تجعلوا رقبتكم قنطرةً لهؤلاء، والصواب هو الاكتفاء منكم بالشطر الأوّل من الفتيا، والانصراف عن الشطر الثاني فوراً، والمرجوُّ منكم أخذ هذه السطور بعين الاعتبار، ثمّ الإجابة عليها، فإنّي ما أردتُ إلّاالإصلاح ما استطعتُ، واللّٰه من وراء القصد، والسلام عليكم ورحمة اللّٰه.