202زعيم من زعماء قريش - الذين ذهلوا وأُدهشوا، وكأن صاعقة نزلت عليهم من غرابة ما يسمعون - يلتفت للآخر سائلاً؟ ما يقول ابنُ أمّ عبد؟ ! ويأتيه الجواب: إنّه يتلو بعض ما جاء به محمد. وفجأة أسرعوا نحوي وملامح الغضب الذي تملكهم قد ارتسمت علىٰ وجوههم، ثمّ انهالوا عليَّ بأيديهم وعصيّهم، وقد غادرت الرحمة قلوبهم، وأنا أقرأ دون توقف حتّىٰ بلغتُ من السورة ما شاء اللّٰه أن أبلغ، ثمّ انصرفتُ إلى أصحابي، وقد أُدمي رأسي من كثرة الجراح.
قالوا: هذا الذي خشينا عليك.
قلتُ: ما كان أعداءُ اللّٰه أهونَ عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها.
فقالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون.
لقد كان زعماء الشرك يتربّصون الدوائر بكلّ مؤمن بالإسلام، وبكلّ صادحٍ بآيات القرآن الذي يطعن عقائدهم الضالة، ويسفّه عقولهم، ولهذا تراهم لا يكتفون بإرسال عيونهم لمتابعتنا ومراقبتنا بل يتابعوننا بأنفسهم. وأذكر أنّي ذهبتُ وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وسعيد بن زيد لنُصلي بعيداً عن عيونهم، في شعبٍ من شعاب مكة، فإذا بنفر من مشركي مكة منهم أبو سفيان بن حرب والأخنس بن شريق وغيرهما يطّلعون علينا، سبونا وعابونا، فحدث بيننا وبينهم عراك، وكان بيد سعد بلحى جملٍ ضرب به أحد رجالهم فشجّ رأسه، فكان أول دم أُريق منهم في الإسلام.
ولما رأى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ما حلّ بنا من البلاء، وما يُصيبنا من العذاب علىٰ أيدي قريش، قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ فيها ملكاً لا يُظلَم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق، حتّىٰ يجعل اللّٰه لكم فرجاً مما أنتم فيه» . فكانت أول هجرة لي. وبعد عودتي منها هاجرتُ إلى يثرب حيث