50 بن مريم،و انزل القرآن.ألا و إنه ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه،أراد أن يبتاع بها خادما لأهله» 3 .
ثم بويع الحسن في نهاية خطبته،و كان أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري،ثم تتابع الناس على بيعته،و كان أمير المؤمنين قد بايعه أربعونألفا من عسكره على الموت.فبينما هو يتجهز للمسير قتلعليه السلام-.فبايع هؤلاء ولده الحسن،فلما بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه،تجهز هو و الجيش الذين كانوا قد بايعوا عليا.و سار عن الكوفة إلى لقاء معاوية 4 .
بيد إن الأمور لم تستقم للإمام الحسن لجملة من الأسباب المعروفة،أهمها تخاذل أهل العراق أولا،و كون الشيوخ الذين بايعوا عليا و التفوا حوله كانوا من عبدة الغنائم و المناصب،و لم يكن لهؤلاء نصيب في خلافة الحسن إلا ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانيا.و ان عددا غير قليل ممن بايع الحسن كانوا من المنافقين،يراسلون معاوية بالسمع و الطاعة ثالثا.كما أن لفيفا من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعا.إلى غير ذلك من الأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاوية تحت شروط خاصة تضمن لشيعة علي الأمن و الأمان،إلا أن معاوية و بعد أن وقع على صلحه مع الإمام الحسن لم يتردد من الإعلان عن سريرته بكل صراحة و وضوح على منبر الكوفة:إني و الله ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتصوموا،و لا لتحجوا و لا لتزكوا،-و انكم لتفعلون ذلكو لكن قاتلتكم لأتأمر عليكم،و قد أعطاني الله ذلك و أنتم له كارهون،ألا و أني قد كنت منيت الحسن أشياء،و جميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له 5 .
و كان ذلك التصريح الخطير،و المنافي لا بسط مبادىء الشريعة الإسلامية،يمثل الإعلان الرسمي لبدء الحملة الشرسة و المعلنة لاستئصال شيعة علي و أنصاره تحت كل حجر و مدر.و توالت المجازر تترى بعدمعاوية إلى آخر عهد الدولة الأموية،فلم يكن للشيعة في تلك الأيام نصيب سوى القتل و النفي و الحرمان.و هذا هو الذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الإجمال،حتى يقف القارىء على أن بقاء التشيع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز الله سبحانه،كما يتوضح له مدى الدور الخطير الذي لعبه الشيعة في الصمود و الكفاح و الرد على الظلمة و أعوانهم منذ عصر الإمام إلى يومنا هذا.و إليك بعض الوثائق من جرائم معاوية.
1-رسالة الإمام الحسين إلى معاوية:
«أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها،و أن الحسنات لا يهدي لها و لا يسدد إليها إلا الله تعالى،و أما ما تذكرت أنه رمي إليك عني،فإنما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة،المفرقون بين الجمع،و كذب الغاوون المارقون،ما أريد لك حربا و لا خلافا و أني لأخشى الله في ترك ذلك منك و من حزبك القاسطين حزب الظلمة و أعوان الشيطان الرجيم.ألست قاتل حجر و أصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع،و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر،فقتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة و العهود المؤكدة جرأة على الله و استخافا بعهده.أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت و أبلت وجهه العبادة؟فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من سقف الجبل.