47وإذا قلت هذا في شأن نجد والحجاز وحدهما دون الجزء المتمم لشبه الجزيرة العربية، وأعني به اليمن، فإنما قد قيض لأهل الاطلاع وعشاق التعرف بأحوال الأمم من قام بارتياد هذا القطر من أبناء مصر في السنوات الأخيرة ونشر ما كان مجهولاً عنه.
فقد قام حضرة صاحب السعادة العالم المحقق أحمد زكي باشا برحلة في العام الماضي، فقصّ علينا ما شهده من أحوال اليمن على صفحات الأهرام الغرّاء، مما لم يتعرض له أحد قبله من حيث الإفاضة في سائر نواحي تلك البلاد الاجتماعية والسياسية؛ ولعل النهضة العربية التي شملت كل شبه جزيرة العرب واشتراك مصر بل قيامها بقسط غير قليل بجمع كلمة المسلمين سواء أكان باهتمامها الدائم بشؤون الأراضي المقدسة والخلافة الإسلامية، أم بنشر معالم الثقافة العربية وإعلاء شأنها هو الذي حرك همم المفكرين والباحثين لاستجلاء حقائق الحال في تلك البلاد والعمل على تقريب قلوب الشعوب الإسلامية نحو جاراتها، وتوطيد علائق الودّ والصفاء بينها.
و لا أنسى ما أبداه سمو الأمير سعود أثناء زيارته مصر من هذه الرغبة السامية ودعوته المفكرين لزيارة بلاده واستطلاع شؤونها ونشر الحقائق المجردة عنها. . .
من أجل ذلك، ولأني منذ نعومة أظفاري أشعر بميل خاص إلى احتذاء أثر المستطلعين لأحوال الأمم والبلدان، وكنت ولا أزال ممن يؤمنون بالتطور في كل شيء حتى إني كنت أرقب عن كثب خلال زيارة الأمير النجدي وحاشيته الكثيرة العدد مصر ما تحدثه هذه الزيارة لمصر المتمدنية العظيمة التحضر في نفوسهم من الأثر والتطور النسبي في حركاتهم وسكناتهم ومقدار قابليتهم واستعدادهم للأخذ بأسباب الحضارة، فكنت ألمس أشياء كثيرة مما كنت أومن به من هذه الناحية الحساسة، سواء أكان في اجتماعاتهم بزائريهم من المصريين والأجانب، أو معاملاتهم الخاصة، وفي خلال مشاهداتهم لعظمة الحضارة المصرية وأسباب العمران الاجتماعي، وما اقتناه سموّ أميرهم من نفائس المصنوعات وبدائع الأشياء وتقديره لكل ما كان يقع تحت ناظريه مما كان يعد في نظره جديداً غريباً.