245
فضلّ العذارى يرتمينَ بلحمها
وشحمٍ كهذّاب الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ
وحيث إنّ تذكّر الماضي السعيد قد أرّق ليالي الشاعر، وحرمه الراحة والهدوء؛ لذا فقد شعر بوطأة الليل؛ ذلك أنّ الهموم تصل إلى أوجها في الليل، فما أقسى الليل على المهموم! إنّه يقضّ مضجعهُ، ويُطير النوم من عينيه، ويلفّه في ظلامٍ حالك، ويأخذه في دوامة تقلّبه هنا وهناك لا يعرف أين هو، ولا كيف يسير ولا ماذا يفعل، ويلقي عليه بأحماله، ويقف كأنّه لا يتحرّك. . يقول:
وليلٍ كموج البحرِ أرخى سدوله
وتعدّ هذه الأبيات من أروع ما قاله في الوصف، ومبعث روعتها تصويره وحشيّة الليل بأمواج البحر وهي تطوي ما يصادفها؛ لتختبر ما عند الشاعر من الصبر والجزع.
فأنت أمام وصف وجداني فيه من الرقّة والعاطفة النابضة، وقد استحالت سدول الليل فيه إلى سدول همّ، وامتزج ليل النفس بليل الطبيعة، وانتقل الليل من الطبيعة إلى النفس، وانتقلت النفس إلى ظلمة الطبيعة.
فالصورة في شعره تجسيد للشعور في مادّة حسّية مستقاة من البيئة الجاهلية.
ثمّ يخرج منه إلى وصف فرسه وصيده ولذّاته فيه، وكأنّه يريد أن يضع بين يدي صاحبته فروسيته وشجاعته ومهارته في ركوب الخيل واصطياد الوحش يقول:
وقد أَغتدي والطير في وُكُناتِها
وهو وصف رائع لفرسه الأشقر، فقد صوّر سرعته تصويراً بديعاً، وبدأ فجعله قيداً لأوابد الوحش إذا انطلقت في الصحراء فإنّها لا تستطيع إفلاتاً منه كأنّه قيد يأخذ بأرجلها.
وهو لشدّة حركته وسرعته يخيّل إليك كأنّه يفرّ ويكرّ في الوقت نفسه، وكأنّه يقبل ويدبر في آن واحد، وكأنّه جلمود صخر يهوىٰ به السيل من ذورة جبل عال.
ثمّ يستطرد في ذكر صيده وطهي الطهاة له وسط الصحراء قائلاً:
فظلّ طهاةُ اللحمِ ما بين منضجٍ
صفيف شواء أو قدير معجّلِ
وينتقل بعد ذلك إلى وصف الأمطار والسيول، التي ألمّت بمنازل قومه بني أسد بالقرب من تيماء في شمالي الحجاز، يقول:
أحارِ ترى برقاً كأنّ وميضَهُ
كلمعِ اليدين في حبيٍّ مكَلّلِ
يضيءُ سناهُ أو مصابيحُ راهبٍ
استهلّ هذه القطعة بوصف وميض البرق وتألّقه في سحاب متراكم، وشبّه هذا التألّق واللمعان بحركة اليدين إذا اُشير بهما، أو كأنّه مصابيح راهب يتوهّج ضوؤها بما يمدّها من زيت كثير.
ويصف كيف جلس هو وأصحابه يتأمّلونه بين جامر وإكام، والسحاب يسحّ سحّاً، حتّىٰ لتقتلع سيوله كلّ ما في طريقها من أشجار العِضاه العظيمة، وتلك تيماء لم تترك بها نخلاً ولا بيتاً، إلّاما شيّد بالصخر، فقد اجتثّت كلّ ما مرّت به، وأتت عليه من قواعده واُصوله.