74مع لحاظ هذا الحديث، فهل يمكن ادّعاء وجود اختلافٍ بين مكان الولادة ومكان الدفن؟!
وهذا الحديث في الواقع يشير إلى معيار عامّ واحد، وهو أنّ الأرض التي عليها أثر من آثار رجال التوحيد وأهل التقوى، فإنّها أرض مباركة، ويجدر بالإنسان اختيار هذه البقاع محلّاً للعبادة، وأنّ عبادة الله تعالى في هذه الأماكن لا تعتبر عبادة للأنبياء والأولياء، وإنّما هي عبادة لله في أماكن مباركة.
أحياناً نجد أنّ امرأةً مؤمنةً بكرامتها وصبرها تجعل بقعةً ما محلاً لعبادة الله تعالى وطاعته مثل موضع قدم هاجر أمّ إسماعيل، فهي صبرت وتحمّلت المصاعب في سبيل الله، فاختار الله موضع قدمها وجعله محلّاً لعبادته، فأمر الحجّاج بالسعي بين الصفا والمروة، كما سعت هاجر. فإذا كان صبر هذه المرأة العظيمة سبباً لأن يصبح موضع قدمها مباركاً ومحلّاً لعبادة الحجّاج، فلماذا لايكون موضع جثمان الرسول(ص) موضعاً مباركاً ومقدّساً في حين المصاعب التي تحمّلتها هاجر، لاتُقارن بالمصاعب التي تحملّها الرسول الأعظم(ص)؟!
والطريف أنّ ابن القيّم وتلميذه ابن تيميّة يعترفون بهذه الحقيقة من حيث لا يعلمون، وفقد قال ابن القيّم: «وإنّ عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة، والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه». 1
3. عبد المسلمون الله عزّوجلّ من جميع أنحاء العالم مدّة أربعة عشر قرناً بجوار مرقد الرسول(ص)، فإذا كانت الصلاة عند قبور الأنبياء أمراً مكروهاً