62المضمار، الأمر الذي يحتمل معه أنهم اعتمدوا - بوصفهم فقهاء وعلماء دين معاصرين للقرون الإسلامية الأولى - على هذا النص، كما أنّ الاستدلال بمسألة شرفية المكان ربما كان عاملاً مساعداً في نشوء هذه المفاهيم المرتبطة بمسألتنا؛ وربما كانت العوامل السياسية قد لعبت دوراً في تفريغ الجزيرة من غير المسلمين، الأمر الذي تُلُقّي فيما بعد على أنه أمرٌ ديني ثابت.
على أنه من غير المعلوم تكوّن مفهوم السيرة هنا في القرون الثلاثة الأولى؛ لأنّ هذا النوع من الأحكام له في الغالب جانب سياسي إجرائي يعني الدولة وأجهزتها، وليس قضيّةً عبادية أو معاملة مالية شائعة، حتى تعيش في وعي الناس بشكل مستمرّ أو تمارس بشكل متواصل، ومعه يكفي في تصوّر انعقاد سيرة اتخاذ موقف فقهي رسمي من جانب بعض فقهاء الدولة مدعوماً بقرار سياسي في تلك المنطقة، وأين هذا من تكوّن مفهوم السيرة؟ !
كما أنّ المسألة في دائرة أبناء الطائفة الشيعية لا تخرج عما قلناه آنفاً، انطلاقاً من وجود مدارس ورؤى متعدّدة في الوسط الشيعي، حتى في ظلّ وجود الإمام، نظراً لقلّة وضعف عمليّة التواصل المجتمعي العام الذي يسمح للإمام (ع) بالإشراف عل كلّ المجتمع الشيعي، لاسيّما مع الظلم الذي مورس على أئمة أهل البيت النبوي في العصرين الأموي والعباسي، إذ لم يكن التواصل الجماهيري وعلاقة الإمام (ع) بالقاعدة كما هي الحال عليه اليوم.
وهذه الملاحظة العامّة - وكما أشرنا - وإن لم يكن مجال تفصيلها هنا، إلاّ أنه اتضح أنها تعيق عملية الكشف في السيرة.
5- مستند الأحاديث الشريفة
يمكن اعتبار هذا الدليل هو الأساس هنا، أي التمسّك بالأخبار الواردة في المسألة من كتب الفريقين: السنّي والشيعي، وإن ذكر