51أقول: لو انفتح باب مثل هذه الاحتمالات في النصوص والأخبار، لجرّ على كلّها الوهن والسقوط، فلميشقّ النفس بشيءٍ من الروايات بعد هذا، فيأتي الرواي ويسئل عن حكم فرض مع قيود، فيجاب بكلمة واحدة من أمر أو نهي، ثمّ يدخل كلّ القيود المفروضة في كلامه في كلام المجيب، فإنّ هذا تدليس واضح، وكذب فاضح، لاينبغي صدوره ممّن له أدنى درجة الضبط، وأقل مراتب الوثوق.
فإنّ ورود القيد في مقام الجواب ظاهر بل دال بوضوح شديد، بل صريح في مدخليّته في الحكم ولو في الجملة، بناءً على أنّ القيد ليس له مفهوم مطلق، بخلاف ما إذا كان القيد مفروضاً في كلام السائل؛ فانّ ورود الجواب لايستدعي دخالة القيود المفروضة في كلام السائل في الحكم، فدرج القيود في كلام المجيب بما يظهر منه صدورها من المجيب خيانة في النقل، وكذب في الخبر.
ثمّ إنّ ابن حجر بعد ذكره الاختلاف الكثير في هذه الروايات قال: وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق، لاختلاف التقييدات. 1أقول: إنّ رواية التقييد لراوي المطلق يوجب وهن المطلق، واحتمال وهم الرواي، فينبغي الاقتصار في المنع - علىتقديره - على القدر المتيقن وهو فرض القيد، وبالغض عن ذلك، فإنّ العمل بالمطلق على تقدير تعارض المقيّد إنّما يكون حيث لايكون المتعارضات في القيد متفقة على المعارضة مع المطلق، وإلاّ فيكون المطلق أيضاً طرفاً للمعارضة، ويسقط عن الاعتبار.
وممّا يوهن الاعتماد على نصوص المنع عن سفر المرأة بدون محرم، مايظهر من بعض النصوص من انكار عائشة ذلك على روايه، وكيف نخفى مثل هذا الحكم علىعائشة، وهي امرأة، والمسألة محل ابتلائها ولو كان السفر بدون محرم حراماً عليها لعلمته لا محالة.