111ويجيء بمعنى وجدته بصفة كذا نحو: أحمدت الرجل أي وجدته محموداً، والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على الوجدان والمعنى: أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين، ثم إنّ أهل اللغة أتفقوا على أنّ المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض، فوجب أن يكون معنى الإحصار هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو، أو وجدوا ممنوعين بالعدو، وذلك يؤكد مذهبنا.
الحجة الثانية: أنّ الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان: إنه ممنوع من فعله ومحبوس عن مراده، إذا كان قادراً عن ذلك الفعل متمكناً منه، ثم إنه منعه مانع عنه، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء، وذلك مفقود في حق المريض فهو غير قادر ألبتة على الفعل، فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع؛ لأنّ إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضي، أما إذا كان ممنوعاً بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة، إلاّ أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو، فصح ههنا أن يقال: إنه ممنوع من الفعل، فثبت أنّ لفظة الإحصار حقيقة في العدو، ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض.
الحجة الثالثة: أنّ معنى قوله: اُحْصِرْتُمْ أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد له من حابس، والمنع لا بد له من مانع، ويمتنع وصف المرض بكونه حابساً ومانعاً؛ لأنّ الحبس والمنع فعل، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلاً، لأنّ المرض عرض لا يبقى زمانين، فكيف يكون فاعلاً وحابساً ومانعاً، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع، فوصف حقيقي، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه.
الحجة الرابعة: أنّ الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خالياً عن الإشعار بالمرض قياساً على جميع الألفاظ المشتقة.
الحجة الخامسة: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مّن رَّأسِهِ فعطف عليه المريض، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلاً فيه، لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه.