123أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها شكراً على صنيعها ذلك. وقال: هلا أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبداً، فلعل الذي أعطيتيه لايقع منه موقع حاجته.
و ذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده وقد خرج عن منزله يريد الصلاة وهو متوكئ على عبدين له - وقد كف بصره - فقال له: يا عرابة! فقال له: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به. فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئاً، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل. فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ، وأقبل يلتمس الحائط بيده. فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه.
فحكم الناس على أنّ ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأنّ ذلك ليس بمستنكر له، إلاّ أنّ السيف أجلّها؛ وأنّ قيساً أحد الأجواد؛ حكم مملوكته في ماله بغير علمه، واستحسن فعلها واعتقها شكراً لها على ما فعلت؛ وأجمعوا على أنّ أسخى الثلاثة عرابة الأوسي؛ لأنه جاد بجميع ما يملك، وذلك جهد من مقل. 1ومثل هذه الروايات كثيرة في تراثنا، ولعل القارئ يرى في هذه الأخبار - وهي على ذمة أصحابها - التي تحكي لنا قصص الكرام، مبالغةً قد تصل إلى حد الخيال، ولكن تبقى صفات الكرم والسخاء والمروءة، من أروع ما اتصف به الإنسان العربي!
و حتى كتب الواقدي أنه كان من كرام أصحاب رسول الله (ص) و أسخيائهم، وحتى كتب الذهبي: جود قيس يضرب به المثل. .
وكيف لايكون قيس كذلك جواداً كريماً و ذا مروءة، وهو الذي طالما كان يدعو ربه، وقد عرف بكثرة الدعاء، ويقول: أللهم ارزقني مالاً وفعالاً، فإنه لايصلح الفعال إلاّ بالمال! أللهم إنه لايصلحني القليل، ولا أصلح عليه! أللهم هب لي حمدا ومجداً، فإنه لامجد إلاّ بفعال، ولا فعال إلاّ بمال، أللهم لايصلحني القليل، ولا أصلح عليه!
وهو الذي كان حبّ صفات الكرام ويتغنى بها، حيث يقول: تمنيت أن أكون في حال رجل رأيته! أقبلنا من الشام، فإذا نحن بخباء، فقلنا: لو نزلنا هاهنا، فإذا امرأة في الخباء، فلم تلبث أن جاء رجل بذود ( القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع) له، فقال لامرأته: من هؤلاء؟ قالت: قوم نزلوا بك. فجاء بناقة فضرب عرقوبيها، ثم قال: دونكم. . . فنحرناها. فلما كان من الغد جاءنا بأخرى. . . فقلنا: اللحم عندنا كما هو. قال: إنا لانطعم أضيافنا الغاب (اللحم البائت) . قال قيس: فقلت لأصحابي: إنّ هذا الرجل إن أقمنا عنده لميبق عنده بعير، فارتحلوا بنا. فقلت لقيمي: اجمع ما عندك، قال: ليس إلاّ أربعمائة درهم. قلت: هاتها، وهات كسوتي. . . فدفعناه إلى امرأته، ثم سرنا، فلم نلبث أن رأينا شخصاً. . . فقلت: واسوأتاه! استقل والله ما أعطيناه. . . فقال: دونكم متاعكم، فخذوه، فقلت: والله ما كان إلاّ مارأيت، ولقد جمعنا ما كان عندنا، قال: إني والله لم أذهب حيث تذهبون، فخذوه، قلنا: فلانأخذه، قال: والله لأميلن عليكم برمحي ما بقي منكم رجل أو تأخذونه، قال: فأخذناه، فولى وقال: إنا لانبيع القرى.
هذا من شيم الكرام فالقرى لايباع، يا له من موقف ما أروعه وأجمله!