146
مظهر الحج نموذجا
إن الحجّ إذا ما أداه الحاج المؤمن كما هو مرسوم له من قبل السماء وكما هو الحج الإبراهيمي الصحيح، فلا نستغرب إذا ما استعنت بهذا التشبيه الرائع الوارد في الاية المباركة: كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ .
فأقول: إنه يمكن أن يستفاد منه في وصف المؤمنين وهم في مواقف الحج وساحته بما يحملونه من قيم السماء بأن يكونوا كما هم في ميادين جهادهم لأعدائهم، وكما ينبغي أن يكونوا في ساحات القتال، بنيان مرصوص بنيان متين بقيمه ومبادئه، أن يكونوا - هكذا- صافين أنفسهم متضامنين متكافلين متماسكين محكمين في أخلاقهم ومواقفهم وآرائهم وأهدافهم، كأنهم قطعة واحدة فقط لا اثنتين أو أكثر، لا فرجة فيها تخترق، ولا ثغرة فيها تستغل من قبل الآخرين أو تعطي صورة سيئة لهذا المشهد وهو يعيش معناه العبادي الواسع. .
إنه بنيان أخلاقي دقيق نظيف لأمناء منهج السماء في الأرض ينأى هذا البنيان المبارك بنفسه عن عصبيات عديدة عصبية اللون وعصبية الجنس وعصبية القبيلة والعشيرة والنسب وعصبية المال والجاه. . ويعد هذا حلقة من حلقات التربية الصالحة السليمة للحجاج وهم يمثلون أمتهم الأوسع والأكبر في كل مواسم الحج، ففريضة الحج تجربتهم التي من خلالها يمارسون عملياً ذلك البنيان ويتدربون عليه، والحج كما نعلم دورة تدريبية لكل معاني الدين ومفاهيم الحياة. . .
لعلّي أكون موفقاً في اختياري واقتباسي عنواناً من الآية الكريمة الرابعة من سورة الصف - التي سميت السورة بالصف انطلاقاً من الآية المذكورة وتأكيداً على أهمية الصف المتماسك - لوصف ماهو مطلوب ويهدف إليه من قبل مناسك الحج ذات المظاهر الوحدوية العديدة وهي ما أكثرها وأعظمها مظاهر الوحدة في موسم الحج، وهي تتجلى في كل مواقيته ومناسكه وأنشطته. . .
فإضافة إلى أن موسم الحج بحد ذاته أيامه رائعة جميلة وملتقى تعارفي جليل نافع، فهو يبني هيبة له في النفوس وجلالة له في القلوب ويشكل مسيرة نادرة قلّ مثيلها بل انعدم، ويترك مظهراً رائعاً للحجيج وهم يقفون تلك المواقف المهيبة وقد اتحدوا مكاناً وزماناً ولباساً، وهم يتحركون جميعاً من ميقات إلى آخر ومن منسك إلى آخر، ومن منزل إلى آخر، ومن أثر إلى آخر, فالمشاعر والمواضع كلها هدف لوحدة المشاعر وهدف للتوحيد. وقبل أن نستعرض ما في هذا الموسم وهذه الفريضة مما يتيسر لنا من مظاهر وعوامل توحيد الصف لا بد من كلمة أضيفها إلى ما ذكرت:
إن مما لاريب فيه أن الاجتماع والاتفاق توحيد للصف وسبيل إلى القوة والبقاء، وأن التفرق والاختلاف تمزيق للصف وطريق إلى الضعف والانهزام، و لا خلاف في أنه ما ارتفعت أمة من الأمم وعلت رايتها إلا بتوحيد صفوفها وتوحيد جهودها والتعاون والتلاحم بين أفرادها. .
وهنا نحاول أن نلقي أضواءً على فريضة الحج، وهي - وكما نراها - خير دليل على وحدة الصف المؤمن، الذي يظهر لنا وهو يؤدي مناسك الحج المتعددة وكأنه فعلاً بنيان مرصوص، لا تجد فيه خللاً ولا شائبةً ولا نقصاً، ما أروعه من كيان متماسك متين، وما أجله من جمع هائل تباركه العقول، وتهابه النفوس، وتهتز له المشاعر والعواطف فخراً واعتزازاً.
تعال معي أخي المؤمن، حتى نرى ما يحمله الحج من معان جميلة استحق معها أن يحتل المكانة الأكبر والمنزلة الأعظم دينياً وأمنياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ليؤسس رصانة في المواقف، وثباتاً في المبادئ، وعظمة في المظاهر الموحدة.
فالحج بداية نموذجاً يعد مبدأ عظيماً يدور حول إطاعة الله سبحانه وتعالى والرسول (ص) ؛ لأن هذه الطاعة هي أساس كل خير للأمة وبداية كل خير وأول الخير هو وحدتها. والآيات القرآنية و السنة النبوية الشريفة تدعو إلى تلك الطاعة وتحذر هذه