128سعيد! ما أحب أن تغضب، سمعت أباك يقول: إن لي من الله مقاماً لهو خير لبني عبد المطلب مما على الأرض من شيء فقال عمر: وأنا سمعت أبي يقول: ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا حتى يتكلم بها فقال سعيد: يابن أخي! جعلتني منافقا؟ ! فقال: هو ما أقول لك ثم إنصرف» (44) .
فضلاً عن ذلك، فقد وجدنا عمر الأطرف تحتكم إليه بعض الشخصيات المتخاصمة، لما له من تقدير في نفوسهم، ولاسيما بين الكوفيين منهم على وجه التحديد (45) .
وهذه المواقف التي بدرت منه، جعلت قسماً آخر من النسابة يصفه بالقول: «وكان عمر بن علي ذا لسن وجود وعفة» (46) .
يضاف إلى ذلك تأكيد أحد المصادر بمنحى عمر الأطرف ومسلكه في الصلاة والأذان، إذ كان يؤذن في صلاته (بحي على خير العمل) ، و يجهر في القراءة (ببسم الله الرحمن الرحيم) ، إذ نقل الدارقطني (385ه-) رواية مضمونها: «حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، نا محفوظ بن نصر، ثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبيطالب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: كان رسولالله (ص) يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعاً» (47) ، وهذه المراسم في الصلاة ميزت الشيعة عن غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، حتى أجمع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومن بعدهم علماء الشيعة جميعهم - وبمختلف فرقهم - على عدم اعتبار الذي لايجهر بصلاته بالبسملة في السورتين من أتباع مذهبهم، لذلك عدُّوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من الأمور الواجبة في الصلاة (48) .
هذه النصوص تظهر لنا عقيدة هذا الرجل، ومذهبه الفكري، ولكن مع كل ذلك نجد الجاحظ (255ه-) ينسب لعمر الأطرف مقولةً بعد أن سأله أحدهم عن حقيقة ما يتناقله بعض الناس من وجود وصية لرسول الله (ص) إلى علي (ع) ، فقال له عمر: «والله إن هذا الكلام ما سمعت به قط إلا الساعة» (49) ، ويضيف أبو حيان التوحيدي على ذكر رواية الجاحظ تلك: «سئل عمر بن عليّ عن الوصية فقال: إن هذا شيءٌ ما سمعناه حتى دخلنا العراق» (50) .
مثل هذا الكلام الذي نقله الجاحظ وغيره، لايتفق مع ما نقله المحدثون من أحاديث وروايات عن اهتمام عمر بالتحديث عن هذه المسألة والترويج لها وإشاعتها بين الناس على وجه التحديد، فنجد في الأوراق اللاحقة من هذه الدراسة تأكيداً من عمر على هذا الأمر، فقد نقل عنه أنه قال: «قال رسول الله (ص) : إن الله تعالى عهد إلي في علي عهداً قلت: رب بيّنه لي قال: اسمع يا محمد قال: إن علياً راية الهدى بعدي وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة التي أكرمتها المتقين فمن أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني فبشره بذلك» (51) .
فضلاً عما تقدم، فإننا نجد أن ابن طاووس (673ه-) قد وقف موقفاً علمياً صارماً في دحض رواية الجاحظ هذه، وذلك في معرض رده على رسالته العثمانية، من خلال إيراد النصوص والأحاديث التي ذكرت وصية الرسول (ص) إلى علي (ع) من مختلف المصادر الإسلامية (52) .
مع كل ماتقدم، نجد أن بعض المصادر المتقدمة ترد فيها روايات مربكة ومحيرة، في ذكر موقف لعمر بن علي، وذلك في خضم الحوادث التي عصفت بالمجتمع أيام فتنة بن الزبير (65-73ه-) ، إذ قال خليفة بن خياط (240ه-) في حوادث سنة 67ه-: فيها وقعة المذار. وفيها قتل عمر بن علي بن أبي طالب ومحمد بن الأشعث بن قيس (53) ، ووافق ابن حبان ما قاله خليفة من جعل سنة سبع وستين عاماً لنهاية حياة عمر الأطرف (54) .
وعلق ابن حجر على هذه الأخبار: «قلت: ذكر الزبير ما يدل على أنه عاش إلى زمن الوليد بن عبد الملك، ذكر غير واحد من أهل التاريخ أن الذي قتل مع مصعب بن الزبير هو عبيد الله بن علي بن أبي طالب والله أعلم» (55) .