127
إنا إذا مالت دواعي الهوى
ثم دفع الرقعة إلى أبان، وقال: ادفعها إليه وأعلمه أني لا أدخل على ولد فاطمة بنت رسول الله (ص) غيرهم، فانصرف عمر غضبان، ولم يقبل منه صلة (36) .
فضلاً عما تقدم، فإننا نجد عمر الأطرف لايصطدم بأي سلطة سياسية أو يعارضها، ولاسيما تلك التي تكون لها الغلبة في الحجاز، فقد بايع كلاً من عبد الله بن الزبير أيام حركته بالحجاز (65- 72ه-) ، والحجاج بن يوسف الثقفي، حينما قضى على حركة الأخير (37) ، بالرغم من أن العلويين قد وقفوا موقفاً معارضاً لابن الزبير، والرفض لمبايعته بالخلافة، حتى همَّ الأخير بهم وتوعدهم بإحراقهم بالنار (38) ، فضلاً عن حضوره لوليمة عرس الحجاج حينما بنى بأم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعدما كان له دور في تزويجها منه، حتى قال له: «أحضر فلم يبق من أهلك من تحتشمه» (39) .
تركت مثل تلك المواقف من عمر؛ شيئاً في نفوس العلويين، لدرجة القطيعة والنفرة منه، حتى قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) لولد عمر (محمد) بعدما رأى نبل الأخير وفضله: «يابن عم! ما تمنعني قطيعة أبيك أن أصل رحمك فقد زوجتك ابنتي خديجة» (40) .
كانت تلك المواقف التي انتهجها عمر مع أهل بيته وراء حدة الكلمات والآراء التي تفوّه بها بعض النسابة من العلويين في معرض حديثهم عن عمر الأطرف وأعقابه، إذ قال عنه ابن الطقطقي (709ه-) : «ولم يكن مرضي السيرة. . . ، وماروينا عنه خطبة بليغة، ولا شعراً مسموعاً، وكان نازع بنيإخوته الحسن والحسين (عليهما السلام) في صدقات علي (ع) دائماً، ويريد أن يدخل معهم في ذلك، ولايظفر منهم بطائل» (41) . وكذلك الحال بابن عنبة (828ه-) الذي وجه انتقادات متعددة على مواقف عمر الأطرف تلك (42) .
أفكاره وعقيدته: مع كل هذه النصوص والمواقف السابقة التي كانت من عمر إزاء أهل بيته فهو لم يكن منحرفاً عقائدياً عنهم وعن خطهم الذي سلكوه وآمنوا به، فلم تكن إستعانته بالأمويين تقرباً منه إليهم وطلب صلاتهم؛ بل وحتى مبايعته لهم، وكما تظهر عباراته آنفة الذكر مع الوليد بن عبد الملك، فهو بذلك اعتقد أن له حقاً في تلك الأموال والصدقات التي تركها أبوه (ع) ما دام محتاجاً إليها، والذي يدل على متابعته لمسار إخوته وأهل بيته فيما يعتقدونه ويؤمنون به؛ بعض المواقف والأقوال التي صدرت منه في ردّ ماشاهده من انحرافات عن خط أهل البيت والطعن عليهم، إذ ذكرت المصادر أنه قد اجتاز في سفر كان له في بيوت من بني عدي، فنزل عليهم، وكانت شدة فجاءه شيوخ الحي فحادثوه، واعترض رجل منهم ماراً له شارة، فقال: من هذا؟ فقالوا: سلم بن قتة، وله انحراف عن بني هاشم، فاستدعاه وسأله عن أخيه سليمان بن قتة، وكان سليمان من الشيعة، فخبّره أنه غائب، فلم يزل عمر يلطف له في القول ويشرح له الأدلة حتى رجع سلم إلى مذهب أخيه، وكان يصله عمر كل سنة بصلة، فلما مات عمر رثاه سلم بأبيات عدة (43) .
وفي موقف آخر له نلمس منه هذه الروحية المدافعة عن خط أهل البيت والتشهير بالمنحرفين عنهم، إذ ذكر ابن أبي الحديد (656 ه-) محاورة جرت بين عمر الأطرف وبين التابعي المشهور سعيد بن المسيب، الذي عدّه ابن أبي الحديد من ضمن المنحرفين عن الإمام علي (ع) ، مستشهداً بكلام عمر بحق ابن المسيب في هذه المحاورة، والتي مفادها: «روى عبد الرحمن بن الأسود، عن أبي داود الهمذاني، قال: شهدت سعيد بن المسيب، وأقبل عمر بن علي بن أبي طالب، فقال له سعيد: يابن أخي! ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله (ص) كما يفعل إخوتك وبنو أعمامك! فقال عمر: يابن المسيب! أكلما دخلت المسجد أجيء فأشهدك! فقال