258والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جراء ما يلقى من الزحام، والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو غيرها من المناسك؛ فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك؛ لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن؛ فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله عز وجل.
فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج صار ذلك دافعاً لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.
والحج يذكر أصحابه ومريده بالآخرة؛ فازدحام الناس وهم يموج بعضهم في بعض، وهم في صعيد واحد، وبلباس واحد، وقد حسروا عن رؤوسهم، وتجردوا من ثيابهم، ولبسوا الأردية والأزر، وتجردوا من ملذات الدنيا، ومتعها، تذكر يوم حشرهم على ربه؛ فيبعثهم ذلك إلى الاستعداد للآخرة، ويقودهم إلى استصغار متاع الحياة الدنيا، ويرفعهم عن الاستغراق فيها، ويكبر بِهِمتهم ويتركوا كل ما يدعو إلى السوء والبغضاء وحب الأنا.. فيقترب كل واحد منهم من محبة إخوانه الآخرين ويستغرق بعضهم في مودة بعضهم الآخر ويتم الاطلاع على مشاكلهم وحاجياتهم، وهذا مدعاة لحب الوحدة وتقوية الصف المسلم والساحة المؤمنة..
والحج يعد تجمعاً بشرياً ضخماً، يستقطب الملايين من المسلمين، من مختلف الأقطار والأمصار، فهو ينتج حركة بشرية هائلة، يتبعها تحرك اقتصادي ومالي ضخم، عن طريق النقل، والاستهلاك، وحمل البضائع وتبادل النقود، وشراء الأضاحي والحاجيات ومستلزمات الحج والإقامة