162ما هي سوى تكريس لانقسام الأمة وتمزقها وتشرذمها، وأنه باستمراره في طلب المكاسب الفرعية هذه والفرح بها يكرّس واقع التراجع في الأمة؛ لهذا نسبت الآية الفرح إلى الأحزاب ولم تنسبه للأمة، وجعلت الفرح على ما عنده وليس على ما عند الأمة بِمٰا لَدَيْهِمْ ، وهذا هو الغرور المعرفي الذي يكرّس القطيعة في الأمة، فيفرح بما عنده، ولايفرح بما عند غيره.
وهذا الحصر مستفاد من تقديم بِمٰا لَدَيْهِمْ على فَرِحُونَ ؛ فكأنه لا يفرح إلا بما لديه، وأما ما عند غيره من أمّة الدين والتدين، فليس بموجب فرحاً عنده.
وبمارسة التأمل في استخدام كلمة «فرحون» في اللغة العربية، نجد أنّ القرآن الكريم لم يطلقها على السرور الإيجابي، بل أطلقها في موقع الذمّ، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ 1؛ فالفرح هنا لا يقصد منه السرور؛ ولهذا فسّر بالبطر 2؛ للجزم بعدم حرمة الفرح في الإسلام، وبناءً على ما ذكره أبو هلال العسكري (ق 4ه) في التفريق بين الفرح والسرور، فإنّ الفرح قد يكون بأمرٍ لا نفع فيه ولا لذّة، على خلاف السرور الذي لا يكون إلا فيما فيه نفعٌ أو لذّة على الحقيقة 3، فيفهم أن استعمالات القرآن الكريم للفرح كانت للإشارة إلى شيء يفرح به الإنسان لكنه قد يكون خالياً من الفائدة والمنفعة الحقيقية، فكأنّ فرحه به مصداقٌ لقوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً 4، تماماً كفرح ملكة سبأ بهديتها التي أرسلتها إلى سليمان، فقد ظنّت أنها سوف تستميله بها،