161وأن واحداً منها جعل الأمة على شيع وأحزاب يقاتل بعضها بعضاً، ويبطش بعضها ببعض، وهذا معناه أنّ الفرقة والافتراق نحوٌ من العذاب الإلهي الذي ينزل بالناس، وطبيعيّ أن الآية لا تعني أن كل فُرقة كذلك، بل أقصى ما تدلّ عليه أن بعض أنواع العذاب قد يكون في فُرقة الأمة ومحاربة بعضها بعضاً، وهذا خير دليل على أنّ القرآن يرى الاختلاف والتقاتل والتصارع الداخلي مظهراً من المظاهر التي قد تكون عذاباً إلهيّاً، فما أشدّ دلالة هذه الآية على رفض الفُرقة ونبذ التنازع والتخاصم.
والجميل في تعبيرات هذه الآية أنّها لمّا تحدّثت عن العذاب الفوقي والسفلي، أي من الفوق ومن تحت الأرجل، جعلت الثالث هو الفُرقة والتصارع، وكأنّ في هذا التعبير إشارة إلى أنّ الفتنة الداخليّة بين الأمة عذابٌ يكون بين يديها، وكأنّ مبرّراته وعناصره تحت سيطرتها، ولم يأتِ من الأعلى ولا جاء من الأسفل من حيث لا يدرك الناس ذلك، وهو ما فيه إشارة إلى الدور البشري في إنتاج العذاب الثالث الذي تعطيه الآية.
6- 2 - حالة التشظّي ووهم المكاسب الجزئية
من أروع التعابير في هذه المجموعة من الآيات، قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، فهذه الآية تشير إلى واقع يعيشه المجتمع في ظلّ حالة الانقسام عادةً، وهي أن كل فريق يعيش في حالة غفلة ونشوة بما يراه من انتصارات له ومكاسب يحقّقها على الفريق الآخر أو لنفسه هنا أو هناك، فيفرح بما يراه مكسباً، وينتشي بما يحقّقه من معطيات جزئية، وهو غافل عن القضايا الكبرى، وغافل عن أنّ بعض مكاسبه الجزئية هذه