265وسبيت نساؤهم وقسّمت أموالهم. وبعد أن قويت دولة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في المدينة وعظمت شوكتها. . . تأتي الآية في السنة العاشرة للهجرة تؤمنه مكر أهل الكتاب وتأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم وهم ليسوا من القوة بحيث يخشاهم!
أما القول بأنه صلى الله عليه و آله أمر بهذه الآية: «بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» بتبليغ الرسالة أحكاماً وشرائع ومفاهيم فهو لا يصح؛ لأن الآية من أواخر ما أنزل من القرآن الكريم، وجاءت بعد ثلاث وعشرين سنة ورسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يدعو قومه وأمته إلى عبادة اللّٰه تعالى وتحكيم شريعته والتزام أحكامه وتعاليمه. فهو بلّغ الرسالة. ولو كانت الآية نازلة في بداية الدعوة لكان هذا الكلام سليماً.
ولو قلنا: إن «. . . مٰا أُنْزِلَ. . .» هو تبليغ الرسالة أي «وإن لم تبلّغ الرسالة فما بلغت الرسالة» فهو كلام مختل لاتحاد الشرط والجزاء، وهذا كقولنا: «إن أتى زيد فقد جاء زيد» أو: «إن درست فقد درست» . وهذا لا وجه له إلا في شواذ البلاغة.
ويحتاج إلى مزيد عناية وتأويل. والمفروض أن الشرط والجزاء متغايران فبتغايرهما تتم الفائدة، ويكون الكلام متيناً سليماً.
إذن، الشيء المأمور به رسو ل اللّٰه صلى الله عليه و آله في الآية «بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» هو:
شيء آخر غير أصل الرسالة.
وهو شيء اختصّت السماء به، وليس هو من اجتهاد رسول اللّٰه وعندياته.
وأن هذا الشيء ليس أمراً عادياً أو حكماً فرعياً، بل هو شيء كبير بدرجة أن عدم تبليغه يساوق عدم تبليغ الرسالة.
وأن عدم تبليغه من قبلك يارسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وأنت في آخر حياتك يساوي عدم تبليغ الرسالة التي بلغتها واستغرقت ثلاثاً وعشرين سنة وجهوداً عظيمة وتضحيات جساماً وأموالاً كثيرة. . . وأن كل هذا سيذهب سدى إن لم تبلغ يارسول اللّٰه صلى الله عليه و آله «مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» .
وأن هذا الشيء يثير في نفس رسول اللّٰه الخوف أو التردد، أو أن يؤخره