286أستميحكم العذر أن أشير إلى نقصٍ آخر في إطار ضرورة إعادة قراءة تاريخ الإسلام ، وهي أنّ المؤرخين الكبار قد وفروا لنا مصادر قيّمة عن السيرة والمغازي ، لكنّهم لم يعتنوا أو يهتمّوا بتصنيف حروب التاريخ الإسلامي .
والنقص الأوضح ، كان حول الغزوات والسرايا التي وردت في النصوص التاريخية بشكل متفرق وموزع من دون الاهتمام بانسجامها وما ترمز إليه ، وأعتقد على ضوء الآيات القرآنية ، أن جهود عصر البعثة كانت تتمحور حول تحرير الكعبة من سلطة ظالمي قريش .
من الواضح أنّني لا أستطيع أن أدخل في شرح مثل هذه الفرضية هنا ، وأكتفي بالإشارة التالية: لقد بيّن القرآن الكريم مشروعية هذه الجهود التي أراقت الدماء في مقابل ظلم المشركين وكذبهم ، وهم الذين أخرجوا أبناء مكّة من الحرم الإلهي الآمن:
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقٰاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللّٰهَ عَلىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّٰ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّٰهُ وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّٰهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» 1.
تحرير مكة ، في فلسفة الجهاد
إن أثر أو نور هذه الآيات يتجلّى في سورة الحج ، التي تعبّر عن العلاقة بين الجهاد في عصر البعثة وبين تحرير مكة ، الأرض التي أهدت لتاريخ الحضارة