296فلو لاحظنا العلوم الطبيعية والإنسانية قاطبة لوجدناها تكافح ومنذ القدم وبمحاولات حثيثة ومريرة وبتوقعات ومختبريات جبارة ، لتحييد الطبيعة وكسب ودِّها وانحيازها الإيجابي الكلي ، وإيقاف أو معالجة النزلات والكوارث الدامية ، وكأنما المأمول هو عندما يتمم الإنسان سيطرته النافذة على الطبيعة فإنه سوف يكون حاجّاً فيها ، وليس لها ، وهذا ما تقدمه استباقاً تجربة الحج الإبراهيمي .
الحجّ قبل معرفة أسرار الطبيعة زيارة وطقوس . . . زيارة إلىٰ . . أما بعد الاستفادة من أسراره أو وعي بواطن المناسك فإنّه يكون حجّاً في العمق ، وإذّاك تنثال الطبيعة وتبدي أمثل رشحاتها ، ويحدث التسخير فتغمر الإنسان شعورية السرور اليقظ تذهله عن كل ديون المعاناة التي قطعها الآخر من قبلُ ، وبذا تتصير المكافأة : [لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ ] 1 ، وليصغِ إبراهيم «فهناك يا إبراهيم تمنَّ على ربك ما شئت» 2 وحين كان الخليل يتملّى السماء وهو في وادٍ فلا غرو أن يسمىٰ ب (منىً) 3 .
اكتفينا بالنقاط الثمانية التي تثيرها مفردة الناس في الآيات الخاصة بالحج وآثاره ، والتي تعكس القضية الاجتماعية العالمية للحج ومرجعية العقائدية .
الضوء السادس : إشارات دالّة
الإشارة الأولىٰ :
[لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ ] ، تلخص هذه الآية الشريفة المنافع المرئية وغير المرئية ، إذ إن مشاهدة المنافع غير إدراكها ، والمنفعة مفهوم اقتصادي ، ولكن لها دلالات غير كمية ، أي أن هناك منفعة أو منافع «معنوية» ، وبلا شك أن «منافع» التي وردت بصيغة الجمع المؤشر بالنص والصادر بيانه من اللّٰه - سبحانه - لا تدخل