188وكان السعدي يرى أن الإيمان الحقيقي ما وقر بالقلب وأورث صاحبه الخوف من اللّٰه والرجاء فيه وإشعاره بالآلام البعد عنه والشوق إلى لقياه ، وليس مدار الإيمان على العبادة الشكلية الخالية من الروح والشعور العميق بعظمة الخالق ومحبته ، وشتان عنده بين العارفين باللّٰه أو الزهاد - وهم الضرب الأول - والعباد من الضرب الثاني .
وفي أحد أسفاره إلى الحجاز رافقته طائفة من هؤلاء العارفين ، أخذوا في سيرهم مع قافلة الحج ينشدون الشعر ويترنمون بترجيعاتهم ، فأنكر عابد حالهم حتى وصلت القافلة إلى «خيل بني هلال» ، فجزع طفل أسود من حي هؤلاء العربان ، وأخذ في الشدو والإنشاد بصوت عذب رخيم حتى سقطت من جمال صدحه الطيور من فضائها ، على حد قول السعدي الذي رأى ناقة العابد نفسه قد استخفها الطرب بدورها ، فأخذت تتراقص وألقت بالعابد من عليها ، فقال السعدي له : «أيها الشيخ أثّر الشدو في الحيوان ولم يؤثر فيك» ثم تمثل له بشعر من نظمه ، وسائر الأشعار الواردة للتمثيل بالگلستان من إنشاد السعدي ، قائلاً :
دانى چه گفت مرا آن بلبل سحرى
ومعناه : أتدري ماذا قال لي بلبل السحر؟ كيف تكون انساناً إذا جهلت العشق؟
إن الإبل حين تسمع الشعر العربي تنشي وتطرب ، فإذا عدمت التذوق فأنت حيوان معوج الطبع .