157أن كفّ بصرُه، فوجدنا حبلاً معلّقاً في السقف وأقراصاً مطروحةً بين يديه أو خبزاً، فكلّما استطعم مسكين قام جابر إلىٰ قُرص منها وأخذ الحبل حتىٰ يأتي المسكين فيعطيه، ثمّ يرجع بالحبل حتىٰ يقعد، فقلت له: عافاك اللّٰه، نحن إذا جاء المسكين أعطيناه، فقال: إنّي أحتسب المشي في هذا، ثمّ قال: ألا أخبركم شيئاً سمعته من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله؟
قالوا: بلىٰ.
قال: سمعته يقول: إنّ قريشاً أهل أمانة، لا يبغيهم العثرات أحد إلّا أكبّه اللّٰه عزّ وجلّ لمنخريه.
وعن جابر أيضاً أنه كان يقول:
تعلّموا العلم، ثمّ تعلّموا الحلم، ثمّ تعلموا العلم، ثمّ تعلّموا العمل بالعلم، ثمّ أبشروا.
وعنه أيضاً: هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه، فيحتقر ما في بيته أن يقدّمه إليه، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدّم إليهم.
وحدّث سهل بن سهل الساعدي عن أبيه، قال:
كنا بمنىٰ فجعلنا نخبر جابر بن عبد اللّٰه ما نرىٰ من إظهار قطف الخزّ والوشي - يعني السلطان وما يصنعون - فقال: ليت سمعي قد ذهب كما ذهب بصري حتىٰ لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره.
وعنه: استغفر لي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله خمساً وعشرين استغفارة، كلّ ذلك أعدها بيدي، يقول: أديت عن أبيك دينه، فأقول: نعم، فيقول: غفر اللّٰه لك.
من مواقفه
يذكر أنه قدم مرّةً إلىٰ معاوية بدمشق، فلم يأذن له أياماً، فلما أذن له، قال: يا معاوية أما سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقول: من حجب ذا فاقة وحاجة، حجبه اللّٰه يوم فاقته وحاجته.
فغضب معاوية وقال: لقد سمعته يقول لكم: ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتىٰ تردوا عليّ الحوض، أفلا صبرت؟
قال: ذكرتني ما نسيت، وخرج فاستوىٰ علىٰ راحلته ومضىٰ، فوجه إليه معاوية بستمائة دينار، فردّها وكتب إليه:
إنّي لأختار القنوع على الغنىٰ
وقال لرسوله: قل له: واللّٰه يا ابن آكلة الأكباد، لا وجد في صحيفتك حسنة أنا سببها أبداً 1.
وهو الذي روىٰ في معاوية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قوله: «يموت معاوية علىٰ غير ملتي» 2.
ولاؤه لعليّ ولأهل البيت عليهم السلام
عرف جابر بولائه الواعي الصادق لأهل بيت النبوّة والرسالة فقد كان من أولئك المهاجرين والأنصار الذين بايعوا أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام بالخلافة ورضوا بإمامته وبذلوا أنفسهم في طاعته فعن أبي الزبير المكي أنه قال: سألت جابر بن عبد اللّٰه، فقلت: أخبرني أي رجل كان علي بن أبي طالب؟
قال: فرفع حاجبيه عن عينيه، وقد كانا سقطا علىٰ عينيه، قال: فقال: ذلك خير البشر! أما واللّٰه إن كنا لنعرف المنافقين علىٰ عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ببغضهم إياه.
وعنه أيضاً: رأيت جابراً يتوكأ علىٰ عصاه، وهو يدور في سكك المدينة ومجالسهم، ويقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، معاشر الأنصار أدبّوا أولادكم علىٰ حبّ علي. . . ، وقد شهد صفين مع عليٍّ عليه السلام، وكان منقطعاً إليه، وقد فضّله علىٰ غيره كما ذكر ذلك ابن عبد البرّ في استيعابه، فيما نصّ علىٰ تشيّعه ابن شاذان وابن عقدة والكشي.
أوّل زائر:
وفق هذا الصحابي أن يكون أوّل زائر لقبر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، فهذا السيد الجليل ابن طاووس يقول في كتابه الملهوف: ولما رجعت نساء الحسين وعياله من الشام، وبلغوا إلى العراق، قالوا للدليل: مر بنا علىٰ طريق كربلاء،