118بالاستفادة والمنفعة والمصلحة حسب الإمكانات الحضارية المتجدّدة.
إذاً، فمنفعة التعارف بين الحجّاج على اختلاف انتماءاتهم الحضارية والثقافية، واستثمار هذه التعدّدية مقصدٌ من مقاصد الحجّ، خاصّة وأنّه ينسجم مع مقصد الخلق: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا فتدعيم وإبداع الوسائل المحقّقة لهذا التعارف الإسلامي مطلوب شرعاً وطبعاً، فللوسائل حكم المقاصد، وما لا يتمّ الواجب إلّابه فهو واجبٌ. ولقد انتبه الأستاذ سيّد قطب بذكاء إلى هذا البُعد العالمي للحجّ، والمنفعة التعارفية له بقوله:
«وهو مؤتمر للتعارف، والتشاور، وتنسيق الخطط، وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب، وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرّة كلّ عام في ظلّ اللّٰه، بالقرب من بيت اللّٰه في ظلال الطاعات البعيدة والقريبة والذكريات الغائبة الحاضرة في أنسب مكان وأنسب جوّ وأنسب زمان، فلذلك يقول اللّٰه: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ، كلّ جيل بحسب ظروفه وحاجياته وتجاربه ومقتضياته، وذلك بقصد ما أراد اللّٰه بالحجّ يوم أن فرض على المسلمين وأمر إبراهيم أن يؤذّن في الناس» (1) .
الحجّ بين الأمس واليوم
رغم أنّ حقيقة الحجّ واحدة لم تتغيّر منذ إبراهيم، ومروراً بسيّدنا محمّد، وانتهاءً إلى اليوم، فإنّ الوسائل الخادمة له والإمكانات الحضارية المحقّقة له قد عرفت تطوّراً كبيراً، عرفت ذروتها في عصرنا هذا، ممّا جعل تحصيل مقاصد الحجّ قبل الحجّ أيضاً متفاوتاً، ذلك أنّ الحاجّ الذي كان يقطع الرحلة في شهور وأسابيع عبر بلدان متعدّدة ومتنوّعة، يبيت بها ويحتكّ بأهلها، ويقف على خصائصها الاجتماعية والحضارية، جعلته يقف على التعدّدية الثقافية للشعوب الإسلامية حقيقةً قبل أن يحجّ، بحيث يعمّق الوعي بها عندما يحجّ.