69والحقوق والممتلكات في المواضع المحيطة بمكّة المكرّمة. . . وخلاصة القول: إنّ هؤلاء أعلم بالمواضع التأريخية والأثرية في مكّة، لا بل أعلم أهلها بأسماء جبالها، وريعانها وأوديتها وشعابها وآبارها وغير ذلك، وأعلم من عرفت بمواضع حدود الحرم المكّي الشريف. . . واختبرت أحدهم في أكثر من أمر، فوجدته من الصدق والورع والتحرّي.
وكنت أديم النظر في كتاب: «أخبار مكّة» للأزرقي، وفي كتاب الفاسي:
«شفاء الغرام» و «العقد الثمين» ومصادر أخرى. وقلّما سمعت بكتاب يتحدّث عن البلد الحرام إلّااقتنيته وقرأته. . .» .
ويواصل حديثه قائلاً: «وكنت أتلهّف لمعرفة ما يتعلّق بالتاريخ المكّي في الكتب المخطوطة بخاصّة، فاجتمع لديّ في هذا الحقل الشيء الكثير؛ نظراً لاهتمامي الشديد في هذا الجانب من المعرفة.
ثمّ شرعت في تحقيق ما في بطون الكتب المخطوطة أو المطبوعة، وسألت واستفسرت من العلماء والخبراء، ودرست الخرائط الجغرافية والتأريخية، ثمّ قمت بمسح عملي لتلك المواضع وغيرها» .
* * *
وقبل الخوض في الكتاب المذكور، أوجعني ما عثرت عليه من أخطاء نحوية وإملائية. . ما كان ينبغي أن تقع خاصّة وهو يصدر تأليفاً وطباعةً من بلد هو موطن القرآن واللغة وآدابها، آمل أن يُراجع الكتاب جيّداً قبل طبعته الاُخرى.
وهذه الملاحظة تجري أيضاً على الكتيب، الذي اعتمدتُه في ترجمة حياة المؤلّف، وقدفات المؤلّف أن يذكر فيه تاريخ ولادة الدكتور عبدالملك.
وأرجو ألّاأكون في هذا ممّن قيل فيهم: فإن رأوا هفوةً طاروا بها فرحاً منّي وما علموا من صالح دفنوا
إنّ أوّل ما يراه القارئ لهذا الكتاب مقدّمةً راح قلمه الجميل، يصوّر همّاً عاشه عقدين أو أكثر، تتوق خلاله نفسه، لا لدنيا فارهة، بل لمعرفة أمر آخر، يترك له ذكراً طيّباً في الدُّنيا، وأجراً كبيراً في الآخرة، إنّه توقٌ جميل وأمل كبير، وعمل مشروع تباركه السماء، إنّه بحث في أقدس مكانٍ عرفته الدُّنيا، وفي أعظم بقعة باركتها السماء، وفي موضع أراد اللّٰه أن يعبد فيه، وفي وادٍ وصفته السماء بأقصر عبارة وأوضح بيان وأدقّ تعبير، إلّاأنّه يحمل معاني عظيمة إنّه وَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ . راح إبراهيم عليه السلام، عبر جهادٍ مرير، ومعاناة شاقّة يؤسس لمشروعٍ سماويّ كريم.
وتذكّرني معاناة الدكتور دهيش، وما قاساه في مهمّته هذه من آلام وعقبات، على قلّتها، بتلك التي عاناها ذلك الشيخ العظيم المبارك نبيّ اللّٰه إبراهيم، وقد اصطحب معه زوجته وابنه إسماعيل ومتاعه، وظلّ يغذّ السير على هدًى من اللّٰه تعالى، ويقطع الجبال والوديان والصحاري والفلوات حتّى وصل إلى وادٍ مجدب مقفر تحيطه الجبال وتحفّ به التلال.
وهو المكان الذي أمره اللّٰه تعالى بأن يلقي به بذور رسالة السماء إلى أهل الأرض، ويودع في ذلك الوادي فلذة كبده، وأهله وأعزّ ما عنده في وقت ما أحوجه إليهم! . . وكم هو عظيم وخطير أن يترك الزوج زوجته والأب ابنه في مثل ذلك المكان المخيف، وفي مثل تلك الظروف الصعبة والأحوال القاسية. . لكنّها الطاعة المطلقة للّٰهوالانقياد التامّ له. . فكانت حقّاً بذوراً مباركةً مورقة ذات بهجة، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، في عصره وفيما تلته من عصور، فغدت كلّها عصوراً نابضةً بآيات الإيمان، زاخرةً بمعالم الخير والعطاء، شاخصةً بالعزّ والشموخ، فقد راح هذا الوادي - الذي كان مقفراً في جوف تلك الصحراء النائية - راح يضجّ بحياة تدبّ في كلّ مظاهر دنياه، وتُضفى عليها السلامة والطمأنينة والأمان.