177اليهود بطوائفهم الثلاث بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، هؤلاء الثلاثة كانوا قد اتّخذوا من أطراف المدينة سكناً لهم بعد أن طردهم نبوخذنصر من الشام وشتّت جموعهم ولاحقهم حتّى لم يجدوا مكاناً يأوون إليه ويأمنون به من ملاحقة نبوخذنصر ومن بطشه بهم، إلّايثرب، سكنوا فيها وصارت لهم أسواقهم واتسعت تجارتهم وقويت شوكتهم، ولكنّهم لم تطهر نفوسهم كأنّها اُورثت الحقد والخبث على غيرهم، حقّاً ما في الآباء يرثه الأبناء.
ولمّا حلّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالمدينة بعد هجرته من مكّة، وراح يبني أُسس دولته الفتية علىأكتاف جموع منالمؤمنين به وبرسالته الجديدة، من المهاجرين والأنصار، كان من مهامّه الأساسية وهو عارف بتركيبة مجتمع يثرب وقبائلها وطوائفها المتعدّدة والتي كان منها قبائل اليهود الثلاث، أن يوادع هذه القبائل متعهِّداً باحترامهم واحترام عقائدهم مع ضمان حرّية عبادتهم وشعائرهم ولهم أن يعيشوا ويعملوا كالآخرين بأمنٍ وسلام. . ما داموا موادعين مسالمين، لا يهجمون على مسلم ولا ينصرون عدوّاً للمسلمين، ولا يعكّرون أمناً ولا يسيئون إلى جوار. . .
لم يتمالك هؤلاء أنفسهم وما فيها من بغض لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وللمسلمين وقد جبلوا على الفتنة والتآمر، فسرعان ما نقض بنو قينقاع العهد وتبعهم على ذلك بنو النضير، فراحوا يحرّضون الأعداء، ويتعاونون معهم ويقدّمون ما يحتاجه المنافقون داخل المجتمع المدني الجديد، فما كان من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إلّاأن أجلاهم عن قراهم، فذهب جمعٌ منهم إلى منطقة أدرعات فيما ذهب الآخرون إلى خيبر، واكتفى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بهذا الإجراء؛ لأنّ عملهم لم يرتقِ إلى أكثر من هذه العقوبة.
فيما كان لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مع بني قريظة أمر آخر وحكم أشدّ، وكانت عقوبتهم على قدر جريمتهم النكراء وخيانتهم الكبرىٰ، وأخيراً فقد كلّفتهم هذه الجريمة حياتهم.
جريمتهم القذرة:
حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وهما من كبار ومن زعماء يهود بني