307السلاح إلا الأسر، وما بعد الأسر إلا القتل، فأخذه رجال من قومه، وقالوا يا جحدم تريد أن تسفك دماءنا؛ إن القوم قد أسلموا، ووضعت الحرب وأمن الناس وما زالوا به حتى نزعوا منه سلاحه، ووضع القوم السلاح امتثالاً لطلب خالد، فلما وضعوا السلاح أمر بهم فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر الى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم اني أبرأ إليك مما صنع خالد 1.
ثم دعا علياً عليه السلام فقال: يا علي أخرج الىٰ هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم، ومعه مال قد بعثه رسولاللّٰه صلى الله عليه و آله فودَى لهم الدماء، وما أصيب من الأموال حتى إنه لَيدِي مِيلغَةَ الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي عليه السلام حين فرغ منهم: هل بقي لكم دمٌ أو مالٌ لم يود إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذا المال الباقي احتياطاً لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل ووافقوا شاكرين، ثم رجع الىٰ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فأخبره الخبر. فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه حتى إنه ليُرى بياض ما تحت منكبيه وهو يقول: اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات 2.
إنَّ تثبيت الدولة يكون بإرخاء رواسي العدل والمساواة بين الناس، والإسلام جاء ليمحو أوضاع الجاهلية وما عليها من شنآن ويمشي في الناس بالحق والعدل ولا تزر وازرة وزر أخرى. وما قام به خالد لا علاقة له بالإسلام، بل هو الراسب الجاهلي المتحكم في عقل هذا الرجل الذي أسلم متأخراً ولا تزال رواسب الجاهلية في كيانه، فهو لم يستطع أن يترفع عنها مع أن النبي قال في خطبته البليغة أمام أهالي مكة: كل دم في الجاهلية فهو تحت قدميَّ هاتين. وكأن خالد لم يسمع أو لم يعِ ما قاله المصلح الكبير، ولهذا تبرأ منه النبي صلى الله عليه و آله ومن أفعاله، وتأثر لهذه الحادثة النكراء، وبعث علياً الذي هو نفسه ليمثله في رأب الصدع واستنكار الجريمة ودفع