133
اعترضَ الريبُ فيَّ مع الأوّل منهم، حتّىٰ صِرتُ اُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسففتُ إذْ أسفّوا، وطرتُ إذْ طاروا، فصغا رجلٌ منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هَنٍ وهَنٍ، إلى أن قام ثالثُ القوم نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّٰه خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبتْ به بِطنته» (20) .
بهذه النبرة المشحونة بالأسىٰ والمرارة. . اختزل الإمام علي محنته المريرة مع مَنْ سبقوه في الخلافة. .
ورغم كلّ ذلك وما رافقه من محاولات الاقصاء الدائبة والعمل على إبقائه في الظلّ، فإنّ هذا لم ينعكس سلباً على موقفه العام، ولم تفلح تلك الممارسات في تحقيق مآرب أصحابها، إذ لم تجعله بمنأىٰ عن هموم الأمّة، إنْ لم يندك في عمق حركتها، ولم تشغله عن وعي التحدّيات التي تواجهها، فلم يعزف طرفة عين عن رصد خيوطها وقراءة نتائجها.
في عهد الخلافة الراشدة
فلم يمضِ إلّاوقت قصير على رحيل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، حتّى استجدّت أمور وأحداث خطيرة تتهدّد الإسلام وأمّته بالفناء، فقد قوي أمر المتنبئين بعد وفاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله واشتدّ خطرهم في الجزيرة العربية من أمثال: مسيلمة الكذّاب، وطلحة بن خويلد الأفّاك، وسجاح بنت الحرث الدجّالة. .
وغيرهم، وصار وجودهم يشكِّل خطراً حقيقياً على الدولة الإسلامية.
واشتد ساعد المنافقين وقويت شوكتهم في داخل المدينة، وكان الروم والفرس للمسلمين بالمرصاد. هذا عدا ظهور التكتلات السياسية في المجتمع الإسلامي على أثر بيعة السقيفة.
ولقد تعامل الإمام عليه السلام مع الخلافة حسب ما تحكم به المصلحة الإسلامية حفظاً للإسلام وحماية للجامعة الإسلامية من التمزّق والضياع، وتحقيقاً للمصالح العليا الإسلامية التي جاهد من أجلها.
وللإمام علي عليه السلام كتاب جاء فيه - بهذا الصدد - ما نصّه: «. . . فأمسكت