130وفق الموقف الشرعي، من منطلق الحرص على وحدة الموقف وما تتطلّبه المصلحة العليا، ولهذا نجده - على طول الخط - «قد أعان أسلافه الثلاثة برأيه وعمله، وجاملهم مجاملة الكريم بمسلكه ومقاله. ولم يبدر منه قط ما ينم على كراهية وضغن مكتوم. . ولكنّه كان يأنف أن ينكر هذه الكراهية إذا رُمي بها كما يأنف العزيز الكريم. وفي ذلك يقول في خطابه إلى معاوية: «ذكرت ابطائي عن الخلفاء وحسدي إيّاهم والبغي عليهم، فأمّا البغي فمعاذ اللّٰه أن يكون، وأمّا الكراهية لهم فواللّٰه ما أعتذر للناس من ذلك» .
وأولى أن يقال: إنّ دلائل وفائه في حياتهم، وبعد ذهابهم، كانت أظهر من دلائل جفائه. فإنّه احتضن ابن أبي بكر محمّداً وكفله بالرعاية ورشحّه للولاية، حتّى حُسب عليه وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله. . .» (12) .
ورغم انفتاحه الإيجابي على مجمل الحياة الإسلامية، وبمختلف مشاربها، إلّا أنّ ذلك لا يلغي معارضة الإمام علي عليه السلام للنهج القائم، مع حرص شديد على الطابع السلمي لمعارضته تلك.
وهكذا بدأت أوّل معارضة من داخل الصفّ الإسلامي نفسه تتبلور بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله، حينما تخلّف العديد من الصحابة الكبار عن بيعة أبي بكر وآزروا الإمام علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة عليهما السلام في معارضتهم لمنطق السقيفة عندما تولّى أبو بكر الخلافة بدون إجماع إسلامي (13) وكانت خطبة فاطمة عليها السلام في مسجد الرسول واحتجاجها العلني الصريح على الخليفة الأوّل معارضة فكرية - سياسية امتدّت لفترة من الزمن، وانتهت بمبايعة الإمام علي ومن تخلّف معه من الصحابة (14) .
ويبقىٰ موقف الإمام علي عليه السلام من مسألة «السقيفة» أوّل موقف معارض له، وظلّت القضية موضع إدانته، لأنّه أمر دُبِّر في ليل. ومن المعروف تاريخياً أن نَفَس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فاضت في حجر علي عليه السلام، وما إن انتقل صلى الله عليه و آله إلى ربّه الأعلى، حتى اشتغل علي عليه السلام وأهل بيته بتجهيزه من أجل مواراة جسده الطاهر في مثواه الأخير، حتّىٰ عقدت الأنصار وبعض المهاجرين اجتماعاً في سقيفة