159خاوية وافعال مادية جسدية محدّدة، وأخرجوه من معناه الروحي والقدسي الذي أراده اللّٰه تعالىٰ. . .
فلم تعد الكعبة ذلك الصرح الإلهي العظيم الذي أقامه النبي ابراهيم الخليل عليه السلام ووضع قواعده، والهدف الإلهي الذي استهدفه من تأسيسها. . .
وانما أصبحت مركزاً ومقراً للأفكار والأوضاع التي حملها العرب في العصر الجاهلي بما يحملون من روح وثنية من خلال إدخالهم الأصنام فيها وعبادتهم لها، والتقرب من خلالها إلى اللّٰه زلفا، أو مركزاً للأعاجم من فرس وغيرهم ممن لم يؤمنوا إيماناً صحيحاً، وإنما جاؤوا لإحياء ذكريات أو لأغراض أخرىٰ غير دينية ولا إلهية من قبيل التجارة أو الترويح عن النفس، أو لقضاء الحاجة من خلال تقديم النذور والقرابين مما ورثوه من عادات وعقائد. . .
وهكذا ابتعد الحج عن أهدافه السامية الأولى الروحية والمعنوية، وصار مجرّد شكل ومظهر مادي لا مضمون فيه ولا روح. . .
وبُعث النور الأعظم، النبي محمد صلى الله عليه و آله وغيّر الدنيا، والمجتمع. . وإذا بالكعبة والحج الأصيل نفسه يعيد مجده السالف التليد الذي أرساه النبي ابراهيم الخليل عليه السلام وأبناؤه وأحفاده المخلصون. . .
جاء محمد بن عبداللّٰه صلى الله عليه و آله ليضع الحج في موقعه المناسب، الحج الأبدي، ما دام الإنسان حيّاً يجري علىٰ سطح الأرض. . .
جاء الحج في لمساته الأخيرة ركناً مرتبطاً كامل الارتباط بالخالق البارئ عزّوجلّ، وممتداً امتداداً طويلاً إلى كلّ إنسان يجري في المعمورة؛ ليصوغ شخصية اجتماعية تستمد من الحج (ذلك الاجتماع الكبير) شخصية سوية كسائر الناس، تنظر إلى الآخرين نظرتها إلى نفسها. . . باعتباره عبداً من ملايين العبيد للّٰه عزّوجل. . .
وهكذا عاد الحج الإبراهيمي علىٰ يد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بعد أن ابتعد عن