238حيث انتقل الامام بعالم الدين من كونه (مفتياً) في دار الافتاء أو موظفاً في وزارة الأوقاف أو (عابداً) في صومعة، الى مرجع للأمة وقائد للجماهير، وحاكم مبسوط اليد لتحكيم دين اللّٰه وتفعيل المشروع الاسلامي النهضوي الجديد. . .
وهذا يعني أنّ الامام قدس سره استطاع أن يتخطى الكثير من الأطر التقليدية، التي انكمشت داخلها الحوزة العلمية، وكادت تخنقها في جو من التشرنق والدوران حول الذات، وينتقل بالفكر الاسلامي من حالة التحجر والجمود والتقوقع الى آفاق واسعة في الانفتاح والواقعية والشمول. . .
بكلمة أخرىٰ استطاع الامام أن يتجاوز الواقع المتكلّس، ويقفز على المخطط الاستكباري المدروس الذي أراد أو أريد به استغفال الشعوب الاسلامية واستهبالها، فنزل الى ميدان المعركة بوعي شمولي ثاقب وإرادة حديدية لا تخضع للتدجين ولا تنثني أمام الابتزاز والإرهاب، فقال بوضوح كامل:
«إنّ المؤسسات الاستعمارية كلّها وسوست في صدور الناس أنّ الدين لا يلتقي مع السياسة، والعلماء ليس لهم أن يتدخلوا في الشؤون الاجتماعية، وليس من حق الفقهاء أن يعملوا لتقرير مصير الأمة، ومن المؤسف - والقول للامام طبعاً - أنّ البعض منا صدّق تلك الأباطيل، وقد تحقّق بهذا التصديق أكبر أمل تحلم به نفوس المستعمرين. . .» .
وهذا يعني أنّ الامام نسف القاعدة الغربية التي تدعو الى فصل الكنيسة عن السلطة؛ لأنّ الاسلام ليس كالمسيحية وأنّ علماء الاسلام ليسوا كالبابوات، وإذا صاروا مثلهم فسوف يحل بهم ما حلّ بأولئك. . . وباختصار شديد أنّ الغرب أراد للبابا أن يكون أباً روحياً لا علاقة له من قريب أو بعيد بشؤون الدولة وأمور الناس إلّامايخصّ الآثاموالذنوب والاستغفار و (صكوك الغفران) السيئة الصيت. . .
ولكن ومع هذا الشدّ الأصيل لعدم فصل الدين عن السياسة، حذّر أشدّ الحذر من عدم انجرار العالم الديني الى بحر السياسة الآسنة واصطياد أسماكه الميتة؛ لأنّ ذلك كما قال يؤدي الى خراب الدين والدنيا معاً. . . فقد كان دائم التحذير من