237جاء خط الامام ليؤكد احتواء العصر، ويوجّه محددات الزمان والمكان وتحولاتها ومتغيراتها وحقائقها، ويترك للفقيه الكفوء العادل تقدير مصالح المجتمع الاسلامي الجديد، وفق هذه المتغيرات والتحولات. فقال:
«لو كان هناك شخص أعلم من ناحية العلوم المعهودة في الحوزات، ولكنه لا يستطيع تحديد مصلحة المجتمع، فهذا الشخص ليس مجتهداً في المسائل الاجتماعية والحكومية» أي أنه قدس سره اعتبر القدرة على تحديد مصالح المجتمع شرطاً من شروط الاجتهاد الجديدة، وأضاف عمقاً آخر لما يسمىٰ ب (الاحكام الثانوية) التي تأتي مع الظرفين الزماني والمكاني، وبالتالي أسّس رؤيته هذه على حدّ قوله:
«إنّ القضية التي لها حكم معيّن في السابق، يمكن أن يكون لها في الظاهر حكم جديد، فيما يتعلق بالعلاقات التي تحكم السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام ما، بمعنىٰ أنّ نتيجة المعرفة الدقيقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تحوّل الموضوع الأول - الذي لم يتغير في الظاهر - الى موضوع يستلزم حكماً جديداً بالضرورة. . .» هذا (الاتجاه الاجتهادي) الذي سماه بعض الفقهاء (تحوّل الاجتهاد) والذي يقوم على أساس الزمان والمكان والظروف والأحوال، هو الذي استلّ خيوطه (منهج الامام) هذا، وهذا لا يعني بطبيعة الحال تغييراً في حكم الشرع المقدس، بل المتغيّر هو موضوع الحكم؛ لأنّ (المقيّد عدم عند عدم قيده) كما يقول الذهن الفقهي، ولذلك فإنّ الحكم يمكن أن يتبدّل تبعاً لتبدّل الموضوع.
دوائر التغيير لدى الامام
وهنا نأتي الى إحصاء سريع لأهم الدوائر المغلقة التي سعى الامام لفك مغاليقها والانطلاق بها الى دوائر الفعل والتغيير وتجاوز دوائر التنظير والتحذير، لنأتي في خاتمتها على أهم هذه الدوائر في الفعل الحركي الاسلامي وهي دائرة الحج الابراهيمي حسب تعبيره رضوان اللّٰه عليه.
ويمكن القول: إن أول هذه الدوائر المغلقة هو الفصل بين الدين والسياسة،