267الذي ألمَ به، فلم يسمح له بالتمتع بجميع ماسمحت له الأحوال التمتع به (39) ، وقد كتب: «خلال جميع رحلاتي في الشرق، لم أتمتع براحة كالتي عشتها في مكّة. وسأحتفظ بذكريات جميلة عن إقامتي هنا» .
ولا شكّ أن بيركهارت لم يمضِ وقته سُدى، إذ وضع 350 صفحة من الملاحظات والوصف الدقيق للمدينة وأهلها. . . وتركَ وصفاً مفصلاً لبيت اللّٰه الحرام الذي تمتع بجماله، خلال ليالي شهر رمضان عندما «تلتمع آلاف الفوانيس في أعمدته» وعندما «تنعشنا النسمة الباردة فيه، بعد يوم طويل وحار من الصيام» (40) .
ماتجدر الإشارة اليه، أنّ بيركهارت يشرع بوصف الحج وشعائره قبل وصوله مكة، ويبدأ بذكر مايختصّ بالإحرام بطبيعة الحال.
ويستشهد بما رواه المؤرخون عن هارون الرشيد وزوجته زبيدة اللذين قصدا الحج، في سنة من السنين، مشياً على الأقدام من بغداد إلى مكّة، ولم يكن يستر جسمهما غير لباس الإحرام، على طول الطريق.
ويأتي بعد ذلك على ذكر التوجه إلى المسجد الحرام، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وزيارة العمرة، ثمّ العودة إلى مكّة، على أنّ بيركهارت يذكر كذلك أنّ الكعبة كانت مكاناً مقدساً في أيام الجاهلية أيضاً، وأنّ الناس كانوا يطوفون حولها بنفس النمط الذي يطوفون فيه حولها اليوم تقريباً، لكن المبنى المقدس كانت تزينه يومذاك ثلاثمائة وستون صنماً، وأن على الرجال والنساء أن يظهروا أمامها عراة كما خلقهم ربّهم؛ ليستطيعوا التجرّد عن الخطايا والذنوب، والتخلّص منها مع الملابس التي يتجردون منها (41) .
وصف مسهب لمكّة
وبعد أن يشير إلى التقديس والتبجيل اللذين يكنّهما العرب جميعاً لمكّة، وإلى الأسماء التي تطلق عليها مثل: «امّ القرى» و «المشرّفة» و «البلد الأمين» ، يأخذ بوصفها من