260وصل الشام أحد الرحالة الذي امتاز بالذكاء والنشاط وتعدّد المواهب، فأصبح مثالاً ونموذجاً لاُولئك الذين حاولوا اختراق شبه الجزيرة العربية، وإثبات مصداقية الاسطورة العربية (16) .
ولم يكن هذا الرحالة سوى بيركهارت، الذي بدأ مهمته في مدينة حلب السوريّة. . . وليشرع في مغامرته الكبرى.
الشام: خطوة في مسيرة الألف ميل
أمضى بيركهارت سنتين في هذه المدينة، وهناك أتمّ ثقافته ليس في اللغة العربية فحسب، بل في آداب اللغة العربية ولا سيما القرآن الكريم وتفاسيره، لدرجة أنّه استطاع ان يستحوذ على احترام اُولئك الذين كانوا يحرصون على النقاش في المعاني الداخلية لأينص من النصوص، فقد ظهرت مهارته واتقانه في هذا المضمار (17) ، كما أظهر براعته عندما أكمل ترجمته لكتاب «روبنسون كروز» ودرس الدين الإسلامي بالجديّة ذاتها. واتخذ لنفسه اسم إبراهيم بن عبد اللّٰه.
خلال إقامته في سوريا كان يتجوّل مع البدو، خصوصاً قبيلة «عنيزة» . ووصل إلى تدمر والفرات، ونُشرت نتائج زياراته وأبحاثه تباعاً، وهي تشكل اليوم أوّل دراسة اثنوغرافية لقبيلة في الصحراء. وعن ذلك الوقت كتب بيركهارت:
«أمضيت بين البدو أسعد الأيام في حياتي. وفي الوقت ذاته أمضيت ساعات صعبة ومملة. وكنت أنتظر - في بعض الأيام - بفارغ الصبر غياب الشمس؛ لأنني كنتُ أعلم أنّ حفلات الغناء والرقص في المساء ستخرجني من لعبة الداما مع رفاقي (18) .
وخلال إقامته في سوريا - وجزيرة العرب لاحقاً - دوّن ملاحظات طريفة عن أعراف وعادات البدو الذين أحبّهم واُعجب بهم. وكانت ملاحظاته هي أوّل مسعى «موضوعي» لدراسة