62بالغربَة) ، ويحجبه عن أصول شمله، فلابد للإنسان من محل يثوب إليه، يجمع شملهم بعضهم ببعض، ويصل الإنسان بأصوله، ويعيد الإنسان الىٰ نفسه.
والكعبة هي هذه المثابة التي جعلها اللّٰه تعالى للناس، فهي تجمع الناس كل سنة مرة منذ أن أذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج الى اليوم ( واذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلىٰ كل ضامر يأتين من كل فج عميق) .
ويجمع الناس في كل يوم خمس مرات من شتىٰ مناطق الأرض، يستقبلونها في صلواتهم، يقول تعالىٰ: ( فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) 1.
فيجد المسلمون الموحدون، الذين اسلموا وجوههم للّٰهعلىٰ ملة إبراهيم في الكعبة مثابة لهم، تجمعهم كلما تشتتوا، وتوحّد حركتهم كلما تفرقت بهم المذاهب والمسالك في الحياة الدنيا.
وتصل الخلف بالسلف، كلما قطعت الحياة الدنيا هذه الأواصر التي تربط الأبناء بالآباء، فيعيدهم البيت الحرام الىٰ آبائهم وأصولهم إبراهيم وإسماعيل، ويأمرهم اللّٰه تعالىٰ أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلىٰ ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) .
فيذكّرهم (المقام) بإبراهيم، و (الحجر وزمزم) بإسماعيل و (الصفا والمروة) بهاجر.
وإذا عاد الناس الذين أسلموا للّٰهحنفاء، بعضهم الىٰ بعض، وعادوا الىٰ أُصولهم وأسلافهم. . . عادوا الىٰ أنفسهم، ولم يضيعوا في زحمة الحياة.
فالكعبة تشعر هذه الأمة بعرضها العريض علىٰ وجه الأرض، وعمقها في التأريخ.
إن المسلم الذي يحضر ضمن هذا الحشد الهائل من حجاج بيت اللّٰه الحرام. . .
يلمس في الحج حجمه وعمقه ونفسه، فيلمس حجمه الحقيقي في الحشد الهائل