154للإفادة منه، وتؤكد بعض المواقف أنّ التبجيل والاحترام اللذين يعامله بهما هؤلاء يعبران عن اعترافهم بفضله وتقدمه علىٰ غيره، ويتجلّىٰ هذا بوضوح في الموقف الذي نقله (محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنين أكتب عنه مايسمع من أخيه - يعني أبا الحسن عليه السلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا المسجد - مسجد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولارداء، فقبّلَ يده وعظّمه، فقال له أبو جعفر عليه السلام: يا عم أجلس رحمك اللّٰه، فقال: ياسيدي كيف أجلس وأنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر إلىٰ مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا، إذا كان اللّٰه عزّ وجل - وقبض علىٰ لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة، وأهّلَ هذا الفتىٰ، ووضعه حيث وضعه، أُنكر فضله؟ ! نعوذ باللّٰه مما تقولون، بل أنا له عبد) 1. مع العلم أن علي بن جعفر كان من العلماء المعروفين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام في ذلك الوقت، حتىٰ أن بعض التلامذة كان يبقىٰ عدة سنوات متلمذاً عليه، وهو في هذا المقام العلمي الشامخ نراه يبالغ في تعظيم الإمام الجواد عليه السلام، وهذا يكشف عن الإذعان لمرجعيته العلمية لمدرسة المدينة، والاعتراف بتفوقه علىٰ مَنْ عاصره من أهل العلم. وقد تجاوزت شهرة الإمام عليه السلام حدود المدينة، فعرفه أهل العلم في بقية الأمصار، خاصة في عاصمة الخلافة يومئذ بغداد، (وكان المأمون قد شُغِفَ بأبي جعفر عليه السلام، لمّا رأىٰ من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة، والأدب، وكمال العقل، مالم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفراً علىٰ إكرامه، وتعظيمه، وإجلال قدره) 2. وكان المأمون قد واجه معارضة شديدة من البيت العباسي لما قرر تزويج ابنته لأبي جعفر الجواد عليه السلام، فاضطر أن يُفصِح لهم عن الأسباب التي دعته للإقدام علىٰ ذلك،