133تستوعب كلّ جهد الإنسان وهمّه وحركته، وهو ما يرمز إليه (الطواف) .
فإنّ (القبلة) توجّه الإنسان إلى اللّٰه في صلاته. وهذه مهمّة صعبة وشاقّة.
إلّا أنّ هذه المهمّة - في حدود القبلة - لا تستوعب كلّ جهد الإنسان وحركته، فإنّ الإنسان يصلّي، ويسعىٰ ويتحرّك في مناكب الأرض ابتغاءً للرزق، ويتزوّج، ويتعلّم، ويعلّم، ويحب، ويبغض، ويذهب إلى السوق، ويعود إلى البيت، وهو لا يطلب في هذه الحركة الواسعة وجه اللّٰه، ولا يطلب إلّارزقه ولذّته وحاجاته، في غير معصية اللّٰه، وليس عليه من بأس في ذلك، إذا كانت هذه الحركة في غير معصية اللّٰه. غير أنّ شطراً كبيراً من جهد الإنسان وحركته واهتماماته يقع خارج هذه الجهة (مرضاة اللّٰه ووجه اللّٰه) دون أن تعارضه. ولا يستوعب وجهُ اللّٰه ومرضاتُه كلَّ همومه وحركته وسعيه. ولا بأس على الإنسان في ذلك، غير أنّ حركته في هذه الحالة إلى اللّٰه تكون حركة بطيئة. يتحرّك إلى اللّٰه إذا أقبل بوجهه على اللّٰه في صلاته، ويتوقّف عن الحركة إلى اللّٰه إذا قضى صلاته، وذهب لغيرها من شؤونه في الحياة، كالمجتمعات المسيحية المعاصرة، فانّ التوجه إلى اللّٰه في هذه المجتمعات لا يستوعب إلّاجزءاً يسيراً من شخصية الناس وحركتهم في ساعة أو بضع ساعة من أيام الآحاد في الكنيسة، فإذا قضوا هذه الساعة في الكنيسة، وانصرفوا إلىٰ سائر شؤونهم في الحياة، انصرفوا عن اللّٰه إلىٰ غيره من شؤونهم من حلال أو حرام.
وأقل ما في ذلك أنّ حركة الإنسان إلى اللّٰه - تعالى - تكون بطيئة، ومنقطعة، ومثل هذه الحركة البطيئة المتقطعة، لا تكاد أن توصل الإنسان إلىٰ (لقاء اللّٰه) .
و (الطواف) يعلمنا أنّ من الممكن أن يستوعب (وجهُ اللّٰه) و (مرضاةُ اللّٰه) كلّ جهد الإنسان وحركته وسعيه في السوق والبيت والمسجد والمدرسة وساحات الحرب وميادين السلم دون أن يعطّل شيئاً من حركته ونشاطه.