54نفر من أهل تلك البلدة يحتفون بنا ويسألون عني بالاسم؛ وقد علمت أنّ بعض رجال القافلة التي سبقتنا أنبأهم بوصول مصري متحضر ينوي زيارة أمير الرياض، فكأنهم بذلك عبروا عن سليقة الكرم العربي جملة ونابوا عن أميرهم خاصة.
وفي اليوم التاسع وصلنا إلى قرية تدعى: «قنا» وينطقون الحرف الأول منها بالجيم كما ينطقها أهل مديرية قنا المصرية، وهذه القرية صغيرة جداً لا أثر فيها للأخذ والعطاء، حتى إننا أردنا شراء شاة لطعامنا فلم نجدها، على أنّ ذلك لم يسؤنا كثيراً، فقد وصلنا إلى حائل بعد ظهر اليوم التالي مارين في طريقنا بثلاث قرى أكبرها «أم جلبان» ولا تزيد مبانيها على أربعة بيوت يحيط بكل بيت بعض النخيل. . .
في حائل:
«حائل» هذه اسم على مسمى، فهي حائل بين بلاد نجد وبين ملحقاتها الشمالية، وتعد بالنسبة إلى غيرها من البلاد التي مررنا بها مدينة عامرة ذات شوارع فسيحة منظمة، وفيها سوق كبيرة تروج فيها تجارة الماشية والإبل.
وهي أقرب بلدان نجد إلى الحجاز، فهي تبعد عن المدينة المنورة بنحو ثمانية أيام فقط، وإلى الشام بنحو خمسة عشر يوماً، وإلى العراق بما يقرب من ذلك، على ظهور الإبل، وهى محطة رحال التجار القادمين من هاتيك الديار والمسافرين إليها.
وتروج فيها تجارة الأرز الذي يُجلب من الهند إليها، وهو بمثابة مادة أولية للغذاء نظير الحنطة في مصر، وتزرع في جوارها مساحات كبيرة من الخضر والفاكهة، ومع كثرة وجود النخيل فإنّ تمره رديء غير مرغوب فيه إلا عند الطبقة الفقيرة جدّاً.
وقد شاهدنا بعض النسوة يبعن الخبز والفاكهة والخضر والدجاج والبيض في سوقها، وهنّ محجبات بجلابيب سوداء وفوقها جلباب بشكل العباءة، وهنّ في غاية الحشمة والوقار، لا تسمع لهنّ صوتاً، ولا يتحدثن مع السابلة إلا بالقدر اللازم لبيع ما بأيديهن من السلع.
أما القصابون هناك فينحرون الماشية ويقسمونها إلى أربعة أجزاء يسمونها «أوصالاً» فيُباع الجزء منها بمبلغ يتراوح بين العشرة والثلاثة عشر قرشاً، أما أثمان الدجاج فرخيصة جدّاً إذ تباع الدجاجة الكبيرة بثلاثة قروش فقط.