164الحسنة والملك، لا يمكن أن تكون مصدراً لخشية زكريّا (ع) وإشفاقه؛ وذلك:
إمّا لأنَّها غير قابلة للانتقال، كالنبوّة والعلم، فلا يورَّثان؛ لأنَّ النبوّة أمرها بيد الله تعالى بشكل كامل، والعلم من الأمور الاكتسابية الّتي تحتاج إلى الطلب والجدِّ والاجتهاد، فلا معنى لأن يخشى زكريّا (ع) من أن يرث بنو عمومته الفَسَقة النبوّة أو العلم. وقد صرّح بعض علماء السنّة باستحالة كون الموروث هو النبوّة، فقد حكى القرطبي عن النحّاس قوله:
«فأمَّا قولهم: وراثة نبوّة، فمحال؛ لأنَّ النبوّة لاتورّث، ولو كانت تورَّث، لقال قائل: الناس ينتسبون إلى نوح (ع) ،وهو نبيّ مُرسل» 1.
وإمّا لأنَّ حال موالي زكريّا (ع) يمنع من انتقاله ووصوله إليهم، كالحبورة والسيرة الحسنة؛ لأنَّ الحبورة هي عبارة عن منصب ديني رفيع المستوى، يحتاج إلى مقدّمات كثيرة، من طلب العلم والتبتّل والانقطاع إلى الله تعالى، وملازمة المَعبد، ولا يحصل عليه كلّ أحد، لاسيّما إذا كانت سيرته شائنة، واشتهر بين الناس بالسلوك غير السويِّ. وكذا السيرة الحسنة، فلا ينالها المرء بالإرث إطلاقاً، وإنَّما هي ثمرة لإخلاص النية والعمل الصالح، لاسيّما وأنَّ موالي زكريّا (ع) لا يُرتَجى منهم صلاح السريرة وحسن السيرة، كما يظهر من خشية زكريّا (ع) ، وتضرّعه إلى الله تعالى بأن يرزقه الوليّ المرضيّ الصّالح بدلاً منهم. ومن هنا، فلا معنى لأن يخشى زكريّا (ع) من أن يرث هؤلاء هذا المنصب، أو يرثوا سيرته الحسنة.
فبقي أن يكون هذا الموروث متقوّماً بالمال، كالمُلْكِ، فإنَّه لا يمكن أن نتصوَّر ملكاً وسلطاناً ومقاماً دنيويّاً من دون مال وثروة وأملاك، فإذا كان زكريّا (ع) إنَّما خشي من الموالي أن يضعوا أيديهم على هذا الملك، فخشيته مبرَّرَة حينئذٍ.
3 - إنَّ خوف زكريّا (ع) الناشئ من إرث المال، ووقوعه بيد غير صالحة وغير نزيهة، له مُسوِّغاتُه الّتي تنسجم وتتلاءم مع روح نبي الله زكريّا (ع) ؛ لأنَّه على اطّلاع تامّ بمدى تأثير المال وقدرته العجيبة على التغيير، فهو وسيلة مؤثّرة ومقنعة بشكلٍ كبير، قلّ مَن يَصْمُدُ أمامها، فبه تُشتَرَى الذِمم والنفوس،