163
المناقشة
ويُجاب عن هذه القرينة بعدّة أمور، منها:
1 - إنَّ هذه القرينة غير صالحة لصرف الإرث عن حقيقته؛ لأنَّ سياق الآيات الكريمة الّتي حكت قصّة زكريّا (ع) ، ودعاءه في طلب الولد، يدلّ على الإرث المالي؛ فقد بيَّن الله تعالى هذه القصّة ببيان آخر في سورة آل عمران، حيث قال تعالى:
(فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهٰا نَبٰاتاً حَسَناً وَ كَفَّلَهٰا زَكَرِيّٰا كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا الْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً قٰالَ يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ حِسٰابٍ* هُنٰالِكَ دَعٰا زَكَرِيّٰا رَبَّهُ قٰالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعٰاءِ (آلعمران:37و38)
فزكريّا (ع) حينما شاهد تلك الحالة من مريم عليها السلام ، رفع يديه بالدّعاء لطلب الولد، (هُنٰالِكَ دَعٰا زَكَرِيّٰا) ، فلابدّ أن تكون هناك مناسبة بين دعاء زكريّا (ع) ، وبين ما شاهده من حالة مريم عليها السلام ، فلم يشاهد أمامه نبيّاً أو عالماً، حتّى يهيج في نفسه ويدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً مثله، وإنَّما شاهد أمامه العبادة والصلاح، فدعا ربّه تعالى أن يرزقه ولداً يحمل هذه الصفات؛ ليكون وريثاً له، بدلاً من مواليه وبني عمومته؛ لأنَّه عرف من ظاهر حالهم وخلائقهم وتصرّفاتهم أنَّهم سيعيثون في الأرض فساداً بما سيرثونه.
فمن جهةٍ شاهد زكريّا (ع) مريم العابدة الصالحة، ومن جهة أُخرى شاهد بني عمومته الفَسَقة. فهناك هاجت نفسه ورفع يديه بالدعاء، رجاء أن يرزقه الله تعالى الولد العابد الصالح؛ ليكون وريثاً له، بدلاً من بني عمومته.
والإرث الّذي خاف عليه زكريّا (ع) ، هو شيء قابل للانتقال، يصل بعد موته إلى بني عمومته، فسأل الله تعالى الولد حتّى يرثه، ويمنع من وصول ذلك الشيء لبني عمومته؛ ولذا جاء في دعائه (ع) أن يكون ذلك الولد مرضياً كمريم، لا كبني عمومته؛ لئلاّ ينتفي الغرض من دعائه.
2- إنَّ ما ذكره علماء السنّة من الموروثات، كالنبوّة والعلم والحبورة والسيرة