65
تقديم
بعد ما ثبت في البحوث السابقة أنَّ العدالة شرط اتّفاقي، بل إطباقي من شروط الراوي، وأنَّ من مقوّمات العدالة عدم الإصرار على أمرٍ محرّمٍ أوّلاً، وعدم الابتداع ثانياً، ثُمَّ أثبتنا فيما يليه من البحوث أنَّ النصب فيه مخالفة واضحة للشريعة أوّلاً، وهو من أجلى مصاديق البدعة ثانياً؛ توصّلنا إلى أنَّ توثيق الناصبي يناقض تماماً ما اتّفقوا عليه من شرطية العدالة، ثُمَّ عرضنا كيف تمَّ توثيق علماء الجمهور للنواصب عموماً، بالمباشرة والتصريح، أو بالملازمة والتلويح، ثُمَّ عرضنا نماذج من توثيقهم لآحاد النواصب المشهورين بالنصب، وكل ذلك يناقض شرطية العدالة كما تقدَّم.
ولقد شعر غير واحد من علماء الجمهور بهذا التناقض الواضح، وفيما يلي إشارة إلى تصريحاتهم في ذلك، في ضمن النقطة الأُولى التي ذكرناها في بداية هذا المبحث.
النقطة الأُولى: الإحساس بالتناقض والتصريح به
لقد استشعر التناقض المذكور بين ما اسِّس من شرطية العدالة، بمفهومها المشتمل على عدم ارتكاب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، بل وعدم ارتكاب ما ينافي المروءة، مضافاً له عدم البدعة؛ وبين توثيقهم المُبتدِع (الناصبي)؛ استشعر هذا التناقض غير واحدٍ من محقِّقي الجمهور، سنذكرهم تباعاً:
أ- ما صرَّح به ابن حجر العسقلاني، في ترجمته ل-(لمازة بن زبّار الأزدي الجهضمي) -الذي أوردنا ترجمته ضمن نماذج من النواصب فيما تقدّم - حيث قال ابن حجر هناك:
... وقد كنت أستشكل توثيقهم الناصبي غالباً، وتوهينهم الشيعي مطلقاً، ولاسيما أنَّ علياً ورد في حقِّه لا يُحبّه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق، ثُمَّ ظهر لي في الجواب...» 1، إلى آخر كلامه.
ولا يهمّنا كيفية الجواب ومدى صحته ودقته - وإن كان فيه طعن من عدّة جهات - لكنّ المهم في المقام استشعاره بالمناقضة في ذلك.