27السفر مثالٌ لسفر الآخرة؛فيَتَذَكَّرُ بوصيّته قبلَ السفر وجَمْعِ أهلِهِ اجتماعَهم على وصيّتِه عند إشرافه على لقاء الله تعالى؛وبتهيئته الزادَ والراحلةَ وملاحَظَةِ الاحتياجِ إليهما والتعرُّضِ للهلاك عند التقصيرِ فيهما-مع قِصَرِ هذا السفرِ-شدَّةَ احتياجِه إلى ذلك في سفر الآخرة،وَتَعرُّضَه-بل وقُوعه في الهلاك-عند التقصير في زاده مِن الأعمال الصالحة والتوجُّهات المُخْلِصة الناجِحة؛وبِذِلَّتِهِ وانكسارِه-عندَ مشاهَدَةِ ذَوِي الأخطار العظيمة والثَروة الجسيمة مع نُفودِ زاده ونفُوق راحِلته-ما يَلْقاه المُقَصِّرُ مِن الذُلِّ والانكسار حين تجتمع الخلائقُ ببضائع 1الآخرة والمتاجِرِ الفاخرةِ،وهو مُفْلِسٌ مِن الأعمال مُضَيِّعٌ نفسَه بسابق الإهمال،إلى غيرِ ذلك من التنبيهات إلى آخر الأفعال، وستأتي جملةٌ منها في الخاتمة إنْ شاء اللهُ تعالى.
وقاعدةُ ذلك كُلِّهِ ومرجِعُه إلى ما روي عن مولانا الصادق عليه السلام أ نّه قال:«إذا أردتَ الحجَّ فجرِّد قلبَك للّه تعالى مِن كلِّ شاغِلٍ وحجابِ كلِّ حاجب؛وفَوِّضْ أُمورَك كلَّها إلى خالقك؛وتوكَّلْ عليه في جميع ما يظهر مِن حركاتك وسكناتك؛وسَلِّمْ لقضائه وحُكْمه وقَدَرِه؛وودِّع الدنيا والراحةَ والخَلْقَ؛واخْرُجْ مِن حقوقٍ تَلْزَمُك مِن جِهة المخلوقين؛ولا تَعْتَمِدْ على زادك وراحلتك وأصحابك وقُوَّتِك وشَبابك ومالك،مخافةَ أنْ يَصيرَ ذلك 2عَدُوّاً ووَبالاً،فإنّ مَنْ ادَّعى رِضى اللهِ واعْتَمَدَ على ما سِواه صَيَّرَه عليه وَبالاً وعدُوّاً،لِيعلَمَ أ نّه ليس له قُوّةٌ ولا حيلةٌ،ولا لأحدٍ إلّابعصمة الله تعالى وتوفيقه؛ واسْتَعِدَّ استعدادَ مَنْ لا يَرجو الرجوعَ؛وأحْسِنِ الصُحْبةَ؛وراعِ أوقاتَ فرائضِ الله وسُنَنِ نبيِّه صلى الله عليه و آله،ومايجبُ عليك مِن الأدب والاحتمالِ والصبرِ والشكر والشَفَقَةِ والسخاءِ وإيثارِ الزادِ على دوام الأوقاتِ؛ثمّ اغْسِلْ بماء التوبة الخالصة ذُنوبَك؛والْبَسْ كِسْوةَ 3الصدقِ والصفاء والخضوع والخشوع؛وأحْرِم من كُلِّ شيءٍ يَمْنَعُك عن ذكر الله تعالى ويَحْجُبُك