18
البناء على القبور وتهمة الشرك
لم نزل نسمع من اعضاء الهيئة المسماة ب(الآمرين بالمعروف) أن البناء على القبور شرك، فيجب هدمها، وقد سمعت شخصياً أحدهم يقول في وصف محمد بن عبدالوهاب: أنّه قد دمرّ الشرك، ولو كان هؤلاء باحثين واقعيين كان عليهم تعريف التوحيد والشرك في العبادة بشكل منطقي يكون جامعاً ومانعاً حتّى تكون الضابطة ملاكاً لتمييز أحدهما عن الآخر، فبما أنهم قصروا في هذا الميدان، سوف نقوم نحن بذكر الميزان الجامع لهما فنقول:
انّ للشرك مراتب ولكن مراد القائلين بالشرك في المقام هو الشرك في العبادة، وأن من بنى بيتاً على قبر نبي أو ولي فقد أشرك باللّٰه سبحانه وعبد غيره، فلندرس هذه الفكرة.
إن العبادة سواء كانت للّٰهسبحانه اولغيره كالاصنام والاوثان أو الاجرام السماوية، تتمتع بقيدين:
الأوّل: الخضوع بالجوارح بنحو من الانحاء إما بالركوع أو بالسجود أو بالانحناء أو بالدعاء وطلب الحاجة، وغير ذلك ممّا يستكشف منه الخضوع.
الثاني: مبدأ الخضوع ومصدره وهوقائم بالقلب وحقيقته عبارة عن اعتقاد الخاضع بأن المخضوع له إما خالق للسماوات والأرض أو مدبر للكون كما هو الحال في عبادة الموحدين، أو من بيده مصير الخاضع ومستقبله وشيءٌ قليلٌ أو كثير بيده، كما هو الحال في عبادة المشركين، حيث كانوا خاضعين أمام أربابهم باعتقاد ان بيدهم غفران الذنوب اوبيدهم الشفاعة المقبولة أو أن العزة والذلة تطلب منهم، قال سبحانه: «وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» 1 .
أو ان الانتصار في الحرب بايديهم، قال سبحانه حاكياً عنهم: «وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» 2.
أو يستنزل المطر بهم، كما روى ابن هشام في سيرته، ان عمر بن لُحيي - أحد رؤساء مكة - قد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً:
ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟