56 ما أن استقر بهم المقام و ثبتت لهم أركانه حتى انقلبوا كالوحوش الكاسرة في محاربتهم للشيعة و تشريدهم و تقتيلهم،فكانوا أسوء من أسلافهم الامويين و أشد اجراما،و الله در الشاعر حين قال:
و الله ما فعلت أمية فيهم معشار ما فعلت بنو العباس
1-فكان أول من تولى منهم أبو العباس السفاح،بويع سنة(132 ه)و مات سنة(136 ه)،قضى وقته في تتبع الامويين و القضاء عليهم،و هو و إن لم يتعرض للعلويين،لكنه تنكر لهم و لشيعتهم،بل و أوعز إلى الشعراء أن يتعرضوا لأولاد علي و أهل بيته في محاولة مدروسة للنيل من منزلتهم و تسفيه الدعوة المطالبة بإيكال أمر الخلافة الإسلامية إليهم.هذا محمد أحمد براق يقول في كتابه«أبو العباس السفاح»:«إن أصل الدعوة كانلآل علي،لأن أهل خراسان كان هواهم في آل علي لا آل العباس،لذلك كان السفاح و من جاء بعده مفتحة عينوهم لأهل خراسان حتى لا يتفتى فيهم التشيع لآل علي...و كانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم،فيقدمون لهم الجوائز،و كانوا الشعراء يعرضون بأبناء علي و ينفون عنهم حق الخلافة،لأنهم ينتسبون إلى النبي عن طريق ابنته فاطمة،أما بنو العباس فإنهم أبناء عمومة» 21 .
2-ثم جاء بعده أبو جعفر المنصور،و بالرغم مما أثير حوله من منزلة و مكانة و ذكاء،إلا أن في ذلك مجافاة عظيمة للحق و ابتعادا كبيرا عن جادة الصواب،نعم حقا إن هذا الرجل قد ثبت أركان دولته و أقام لها أسسا قوية صلبة،إلا أنه أسرف كثيرا في الظلم و القسوة و الاجرام بشكل ملفت للأنظار،و يكفي للإلمام بجرائمه و قسوته ما كتبه ابن عبد ربه في العقد الفريد عن ذلك حيث قال:إن المنصور كان يجلس و يجلس إلى جانبه واعظا،ثم تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس،فإذا جرت الدماء حتى تصل إلى ثيابه،يلتفت إلى الواعظ و يقول:عظني!فإذا ذكره الواعظ بالله،أطرق المنصور كالمنكسر!!!ثم يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق،فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانيا قال لواعظه:عظني!! 22 .
فما ذا يا ترى يريد المنصور من قوله للواعظ عظني،و ما ذا يعني باطراقه بعد ذلك و سكوته،هل يريد الاستهزاء بالدين الذي نهى عن قتل النفس و سفك الدماء،أو يريد شيئا آخر،و ليت شعري أين كان المؤرخونو أصحاب الكلمات الصادقة المنصفة من هذه المواقف المخزية التي تقشعر لها الأبدان،و هم يتحدثون عن هذا الرجل الذي ما آلوا يشيدون بذكره و يمجدون بأعماله،و هلا تأمل القراء في سيرة هذا الرجل ليدركوا ذلك الخطأ الكبير.
بلى أن هذا الرجل أسرف في القتل كثيرا،و كان للعلويين النصيب الأكبر،و حصة الأسد من هذا الظلم الكبير.
يقول المسعودي:جمع المنصور أبناء الحسن،و أمر بجعل القيود و السلاسل في أرجلهم و أعناقهم،و حملهم في محامل مكشوفة و بغير وطاء،تماما كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين.ثم أودعهم مكانا تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار،و اشكلت أوقات الصلاة عليهم،فجزأوا القرآن خمسة أجزاء،فكانوا يصلون على