38 انتقلوا إليها و استوطنوها،و اجتمع عليهم بنو عمهم و صارت السبع قرى سبع محال بها،و سميت باسم احداها«كمندان»،فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قما،و كان متقدم هؤلاء الأخوة عبد الله بن سعد،و كان له ولد قد ربي بالكوفة،فانتقل منها إلى قم،و كان إماميا،و هو الذي نقل التشيع إلى أهلها،فلا يوجد بها سني قط 43 .
إذن فهذا كله راجع إلى تحليل النظرية من منظار التاريخ،و أما دليله فهو أوهن من بيت العنكبوت،فإذا كان الفرس لا يعرفون معنى الانتخاب و الحرية،فإن العرب أيضا مثلهم،فالعربي الذي كان يعيش بالبادية عيشة فردية كان يحب الحرية و يمارسها،و أما العربي الذي يعيش عيشة قبلية،فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام أمورهم و شؤونهم و عند موته يقوم أبناؤه و أولاده مكانه واحدا بعد الآخر،فما معنى الحرية بعد هذا!!
تحليل النظرية الثانية:
إن هذه النظرية و إن كانت تعترف بأن التشيع عربي المولد و المنشأ،و لكنها تدعي أنه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الإسلام،و هذا هو الذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت و لفيف من المستشرقين ك«فلها وزن»فيما ذهبوا إليه في تفسير نشأة التشيع.يقول الثاني :إن آراء الشيعة كانت تلائم الأيرانيين،أما كون هذه الآراء قد انبثقت من الإيرانيين فليست تلك الملائمة دليلا عليه،بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك،إذ تقول ان التشيع الواضح الصريح كان قائما أولا في الأوساط العربية،ثم انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي،و جمع بين هؤلاء و بين تلك الأوساط.
و لكن لما ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلت عن تربية القومية العربية،و كانت حلقة الإرتباط هي الإسلام،و لكنه لم يكن ذلك الإسلام القديم،بل نوعا جديدا من الدين 44 .
أقول:إن مراده أن التشيع كان في عصر الرسول و بعده بمعنى الحب و الولاء لعلي لكنه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر و هو كون الخلافة أمرا و راثيا في بيت عليعليه السلامو هو الذي يصرح به الدكتور أحمد أمين في قوله:إن الفكر الفارسي استولى على التشيع،و المقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمرا و راثيا كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان و غيرهم.
إلا أنه يلاحظ عليه:أن كون الحكم و الملك أمرا وراثيا لم يكن من خصائص الفرس،بل أن مبدأ وراثية الحكم كان سائدا في جميع المجتمعات،فالنظام السائد بين ملوك الحيرة و غسان و حمير في العراق و الشام و اليمن كان هو الوراثة،و الحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثيا،و المناصب المعروفة لدى قريش من السقاية و الرفادة و عمارة المسجد الحرام و السدانة كانت أمورا وراثية،حتى أن النبي الأكرم لم يغيرها بل أنه أمضاها كما في قضية دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة و إقرارهم على منصبهم هذا إلى الأبد.فالصاق مسألة الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقره العقلاء،فعلى ذلك يجب أن نقول:ان التشيع اصطبغ بصبغة فارسية و غسانية و حميرية و أخيرا عربية،و إلا فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامة عالمية؟!