58نفسه بأدلّة أخرى أيضا، فتبقى الطائفتان الأولى و الثانية على حالهما من التعارض، و عندئذ يتعيّن الجمع بينهما بتقييد الطائفة الثانية الدالّة على نفي البأس بذبيحة المروة و العود و أشباههما بصورة خروج الدم و فري الأوداج بهما؛ لأنّ هذا ثابت بأدلّة أخرى و بنفس صحيح ابن الحجّاج و معتبرة الشحّام، لأنّهما تدلاّن على كل حال على لزوم ذلك في حلّية الذبيحة و شرطيّته في الذبح الصحيح، و إنّما الشكّ و الإجمال في دلالتهما على قيد زائد على ذلك، و هو كون ذلك بالحديدة لا بغيرها، و بعد هذا التقييد تصبح الطائفة الثانية أخصّ مطلقا من الأولى، فتقيّدها بصورة عدم إحراز خروج الدم و فري الأوداج تطبيقا لمبنى انقلاب النسبة. هذا لو لم نقل بأنّ الطائفة الثانية في نفسها لا إطلاق لها لصورة عدم تحقّق فري الأوداج و خروج الدم المتعارف، و إلاّ كانت أخصّ بلا حاجة إلى مبنى انقلاب النسبة، كما هو واضح.
و المتلخّص من مجموع ما تقدّم في هذا الأمر الرابع: أنّ ما ذهب إليه المشهور من اشتراط كون الذبح بجنس الحديد لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأمرين:
1-ان المراد بالحديدة في الروايات ليس جنس الحديد في قبال غيره من الأجناس، بل القطعة الحادّة المعدّة للذبح و القطع السريع كالسكين و السيف و الشفرة سواء كان مصنوعا من الفلز المخصوص المسمّى بالحديد أم لا، فإنّ هذا هو المعنى العرفي و اللغوي للحديد، بل لعلّه إنما سمّي ذلك الفلز بالحديد لصلابته و حدّته، فلو ثبت من الروايات تفصيل في الذبح بالآلة، فلا بدّ أن يكون بين الذبح بالحديدة بهذا المعنى و غيره، لا بين معدن الحديد و غيره.
2-أنّ أصل التفصيل بين فرض القدرة على الحديدة و غيره في آلة الذبح لا يمكن إثباته بهذه الروايات؛ لأنّ المستفاد منها ليس بأكثر ممّا هو ثابت