43أما الأمر الأول فهو متعذر الإدراك وحده، لوضوح تعذر الاطلاع على الواقع الموضوعي مباشرة، أو عن طريق علم اللّٰه-عزّ و علا. و إنما هناك طريقان لإدراك هذا الواقع: أحدهما: العقل الذي عرفنا قصوره. و الآخر هو الشريعة.
و من هنا نعرف أنه لا تنافي بين تعريف العدل: بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له. و بين تعريفه: بأنه موافق للعقل العملي أو أنه موافق للشريعة. لأن هذين الأمرين الآخرين: أعني العقل و الشريعة، إنما يدلان على أنَّ الفرد قد وضع الشيء في موضعه المناسب له. غير أن العقل لما كان ضيِّقاً، كان المرجع الرئيسي في تمييز ذلك هو الشريعة. كما لا تنافي بين حكم العقل و الشريعة، لأننا إن بنينا على القاعدة القائلة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. فالأمر يكون واضحاً، لأنَّ الشرع بنفسه يكون محتوياً على كل أحكام العقل و زيادة. و هذه الزيادات تخص الموارد التي عجز العقل عن إدراكها. و إذ لم نبن على تلك القاعدة أمكننا الالتفات إلى قاعدة أخرى متسالم على صحتها بين علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، و هي قولهم: ما من واقعة إلاَّ و لها حكم. إذ ينتج منها: أنَّ حكم الشرع شامل لكل موارد حكم العقل سواء وافقه فيها أو خالفه. غير أنَّ الوجدان الضروري قاض بأننا لم نجد أي اختلاف بين حكمي العقل و الشرع. و حتى لو فرضت المخالفة، فإنَّ مولانا الذي يجب علينا إطاعته هو الشريعة أو قل: صاحب الشريعة، و ليس مولانا هو العقل. إذن، فالمهم في تمييز العدل إنما هي، الشريعة بالذات. و هذا هو الذي يفسر قول اللغويين في تعريف العدل: بأنه الحكم بالحق. يعني بالشريعة.
و حيث أننا متأخرون عن صدر الإسلام، و غير معاصرين لصاحب الشريعة، فإنما تكون الشريعة بالنسبة إلينا ما قامت عليه الحجَّة من التكاليف و الأحكام. كل ما في الأمر أنَّ الطرق المثبتة لهذه الحجة ذات أشكال و مستويات مختلفة لا حاجة الآن إلى تعدادها.
فالمهم في العدل، هو تطبيق الحكم الشرعي الذي قامت الحجة على صحته. و هذا هو الفهم الذي حامت الروايات حوله. و إذا وصلنا إلى هذا