42الحكم. بخلاف العناوين الأخرى، فإنها اقتضائية في حكمها و ليست ذاتية، فالصدق حسن في الحكم الاقتضائي، و لكنه قد يحصل له عنوان ثانوي طارئ يزيل عنه التحسين، كما لو كان الصدق سبباً للقتل أو السرقة. كما أنَّ الكذب قبيح ما لم يحصل عنوان ثانوي له كإصلاح ذات البين. و قالوا: إنَّ أمثال هذه العناوين إنما تكتسب هذه القيمة العقلية الأخلاقية، بمقدار اندراجها في ذينك العنوانين، فمتى كان الصدق عدلاً كان حسناً، و إذا أصبح ظلماً كان قبيحاً. و الكذب قبيح ما دام ظلما فإذا أصبح عدلاً كان حسناً.
و هكذا.
و نقطة الضعف الرئيسية في ذلك هو أنَّ عدداً محدوداً من العناوين هي التي يدرك العقل حكمها، بخلاف أكثر عناوين السلوك، فإنَّه لا يدرك حكمها، كعامة العلاقات الفردية و الاجتماعية. مضافاً إلى أنَّ العقل، حتى في العناوين التي يدرك حكمها، قد تحصل عليها العناوين التي تغيّر الحكم، كما عرفنا، أو تجعل العقل يشك في صدق الحكم عندئذٍ. فإذا علمنا أن هذه العناوين الثانوية في الحياة كثيرة، عرفنا مدى ضيق الحكم العقلي بالتحسين و التقبيح. و هذا الضيق هو الذي يجعل العقل الإنساني قاصراً عن أن يقود نفسه بنفسه، و يجعل الفرد محتاجاً ذاتيّاً إلى شريعة اللّٰه-عزّ و جلّ. و مع وجود هذا الضيق لا يمكن أن يكون العقل محكاً لتمييز العدالة في الفرد.
لأنه-كما عرفنا-لا يميز كثيراً من أنحاء التصرفات. و هذا هو الإشكال الأصلي على ما عرفناه في التعريف اللغوي للعدل: أنه ما يأتي في النفس أنه مستقيم. لأن هذا الفهم إن قصد منه الفهم العقلي الذي تحدثنا عنه، كان ناقصاً و غير قابل للاستيعاب.
و من هنا كان لا بدَّ لنا في تمييز العدالة إلى الالتفات إلى أحد أمرين:
الأمر الأول: ما عرفناه من أنَّ العدل هو وضع الشيء في موضعه، مع التحويل في ذلك على الواقع الموضوعي الذي يعلمه اللّٰه-عزّ و جلّ. فإن كان الفرد قد وضع سلوكه أو أي أمر آخر في موضعه الواقعي كان عادلاً و إلاَّ فلا.
الأمر الثاني: الشريعة. فإن كان سلوك الفرد مطابقاً لها كان عادلاً و إلاَّ فلا.